تقدّم هذه الصفحة قراءة رمزية هادئة لمشهد يظهر فيه الشيطان ثم تعقبه ابتسامة في المنام، على سبيل الاجتهاد لا الجزم. فالأحلام في كثير من أحوالها مشاهد تتبدل ملامحها ومشاعرها بسرعة، كما تصنعها النفس من أفكار اليوم. وليس في هذا التحول ما يدل على أن الرائي رأى شيئًا على حقيقته، ولا على أمر خارج عن نفسه، ولا تُنسب الابتسامة إلى شخص محدد. والمقصود هو الفهم والطمأنينة، وكل ما يُذكر بعد ذلك احتمالات تحتمل الصواب والخطأ.
تُقرأ الابتسامة في الحلم في الغالب على أنها علامة تلطّف أو ارتياح أو انفراج في المزاج. والشيطان في الرموز يشير إلى الوسوسة والتردد والغضب العابر، فيكون اجتماع المشهدين تعبيرًا عن خاطر ثقيل لانت حدته وحلّ محله ارتياح. وهذا أمر مألوف، فالنفس تنتقل من ضيق إلى سعة حين يتبدل الحال من حولها. ولا يعدّ ذلك دليلًا على شيء بعده، وإنما هو وصف لحال المشاعر. وبهذا الفهم يزداد الرائي طمأنينة وحسن ظن.
وفي الأحاديث الصحيحة ما يبيّن مكانة الرؤى في الثقافة الإسلامية، فقد جاء بمعناه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه). وفي هذا ما يذكّر بأن حسن الظن بما يُرى من خير أولى من الانشغال بما يزعج. وهذا ربط عام بقيمة الهدوء والتفاؤل في استقبال الرؤى، وليس تفسيرًا لهذا الحلم. ولا يُراد به الجزم بشيء من حال الرائي.
وذكر بعض المعبّرين أن التعبير يتبع حال الرائي وما يحيط به، فلا تُحمل الصورة الواحدة على الجميع بمعنى واحد. وذكر بعضهم أن للرمز الواحد وجوهًا عدة، وأن المعبّر يتحرى القرائن ولا يتعجل. وتتباين آراء أهل التعبير في المشاهد التي تتبدل أحوالها، ولا يُقطع بواحد منها. ولذلك تؤخذ هذه الأقوال إشارات تقريبية تحتمل غيرها. وما كان منها مريحًا للنفس داعيًا إلى الخير فهو أولى بالاعتبار، وليس على المرء أن يرهق نفسه في تتبع الأقوال كلها.
وللسياق أثر كبير في فهم هذا المشهد. فقد يأتي بعد يوم لقي فيه المرء من يؤنسه، أو بعد حديث لطيف خفف عنه، أو بعد راحة قصيرة أزاحت تعبًا. وقد يكون النوم نفسه انتقل من مرحلة خفيفة إلى أعمق فتغيرت معه المشاهد والمشاعر. وفي هذه الأحوال يكون الأقرب أن التحول انعكاس لتبدل المزاج في اليقظة والنوم. ومن المفيد أن يُنظر إلى اليوم السابق قبل أي تأويل آخر. فالاستيقاظ على ارتياح نعمة تستحق الشكر.
ويُنظر إلى الرائي هنا بوصفه إنسانًا مرّ بصورة عابرة ثم لانت ملامحها، دون أن يُبنى على ذلك تبشير بأمر أو وعد بشيء. فقد يعبّر المشهد عن ارتياح داخلي، أو عن حاجة إلى الأنس والبشاشة، أو عن قدرة النفس على التلطف مع ما يزعجها. وليس في ذلك اتهام لأحد ولا نسبة أمر إلى أحد. وإنما هو رمز يشير إلى حال الذهن لا أكثر. وكثيرًا ما تكون الكلمة الطيبة والبشاشة في اليقظة أصدق عونًا من تفسير الأحلام.
وتفاصيل الحلم تساعد على فهمه، كالمكان وطول المشهد وشعور الرائي أثناءه وبعده. فإن كان الشعور بالراحة باقيًا بعد الاستيقاظ فقد يُحمل على هدوء داخلي. وإن عاد التوجس مع الصباح فيحسن الانتباه إلى الحاجة إلى الراحة والأنس. وإن زال الأثر سريعًا فالأقرب أن الصورة عابرة. وكل ذلك قراءة رمزية تحتمل غيرها، ومن الرفق بالنفس ألا يُحمَّل المنام أكثر مما يحتمل.
ومن الجانب العملي، ينفع تنظيم النوم وتخفيف المنبهات قبله، والمحافظة على ما أراح النفس من عادات ولقاءات طيبة، والمشي الخفيف، والحديث مع من يطمئن إليه المرء. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية. فإذا استمر القلق أو تكررت الأحلام المزعجة وأثرت في الحياة اليومية فالأولى الحديث مع مختص نفسي أو مع أحد الأهل المقربين. وطلب الدعم خطوة سليمة تدل على الحرص على النفس.
ومما يحسن تذكره أن الأحلام لا تصنع واقعًا ولا تغيّر شيئًا في اليقظة، وأن كل صورة تزول مع الصباح سواء كانت مريحة أو مزعجة. فالأيام تُعاش بالأعمال الطيبة والأنس بالله والصحبة الصالحة. وما يثقل الصدر يُصرف الذهن عنه إلى ما يريح. ويكفي أن يبدأ الرائي يومه بنية طيبة وعمل يسير ينفع به نفسه. وليس عليه أن يحاسب نفسه على ما يمر بخاطره في الأحلام، فهي ليست من اختياره.
وفي الختام فهذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، ولا يُبنى عليه أمر ولا يُنتظر منه خبر. وينبغي أن يبقى الرائي حسن الظن بربه، داعيًا إياه بالسكينة وانشراح الصدر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده سبحانه. والله تعالى أعلم.
