الاستيقاظ من حلم مزعج يترك القلب خافقًا والنفس مضطربة لبعض الوقت، وهذا أمر معروف عند كثير من الناس. وحين يكون في الحلم صورة الشيطان، فقد يزيد الإحساس بالرهبة، لكن القراءة الرمزية الهادئة تبعث على الطمأنينة. فالحلم صورة ذهنية لا خبر فيها عن شيء حقيقي، ولا يدل على شيء سيحدث. والمقصود هنا مواساة الرائي وإرشاده إلى التعامل اللطيف مع أوقات الاستيقاظ، بعيدًا عن التخويف والجزم.
يرمز الشيطان في الرؤى إلى النداء الداخلي الذي يضخّم المخاوف ويجعلها تأخذ هيئة مشهد مفزع. أما الاستيقاظ المفاجئ فهو انتقال سريع من عالم الأحلام إلى الواقع، قد يصحبه خفقان وعرق وتنفس سريع نتيجة استجابة الجسد للتوتر. فاجتماعهما يعبّر في الغالب عن أثر الخوف الداخلي على الجسد. وقد يعبّر كذلك عن حاجة النفس إلى الأمان والهدوء. وهذه قراءة نفسية عامة لا تفترض شيئًا عن الرائي.
ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن من رأى ما يكرهه في منامه فليستعذ بالله من شرها ومن شر الشيطان ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه). وفي هذا المعنى طمأنينة عامة للرائي، فالحلم المكروه لا يُعطى أكبر من حجمه. ولا يُراد من ذكر الحديث هنا بيان طريقة مفصلة، وإنما تهدئة القلب والتذكير بأن الاستعاذة والإعراض عن الحلم المزعج من أنفع ما يفعله صاحبه. وفي ذلك راحة وبعد عن الاجترار.
ذكر بعض المعبّرين أن الرؤيا تُنظر بحسب حال الرائي وما يغلب على أيامه، وأن الرمز الواحد يتبدل معناه بتبدل الأحوال. وذهب بعضهم إلى أن كثيرًا من الرؤى المزعجة يعود إلى ما يثقل النفس ويشغلها في اليقظة. وتتفاوت آراء المعبّرين في رموز كثيرة، فلا يحسن الجزم بمعنى واحد. ومن الأنسب أخذ المعنى النفسي العام الذي يطمئن ولا يخوّف.
لسياق الحلم أثر واضح. فإن جاء بعد يوم متعب أو سهر أو قلق، فقد يكون الحلم صدى لذلك. وإن جاء بعد مشاهدة أو سماع ما يخيف، فربما تأثر الذهن بما مر به. وإن جاء بلا سبب ظاهر، فقد يكون من تداخل الأفكار في ليلة عادية. ويكفي الرائي أن يتذكر ما سبق نومه ليفهم كثيرًا من الصورة. وقد يكون الاستيقاظ المفاجئ نفسه جزءًا من استجابة الجسد للتوتر لا أكثر.
قد يعبّر الحلم عند رجل مشغول بمسؤولياته عن حاجة إلى هدوء بعد يوم مزدحم. وقد يعبّر عند امرأة تحمل الهموم عن رغبة في طمأنينة تحيط بها. وقد يكون عند الطالب أثرًا لضغط الدراسة. وقد يكون عند كبير السن انعكاسًا لحساسية النوم مع العمر. وليس في ذلك جزم بشيء، فلكل إنسان استجابته الخاصة للتوتر.
لتفاصيل الحلم أثر في القراءة. فإن كان الرائي قد استيقظ قبل أن يتضح شيء، فقد يكون ذلك أثر استجابة الجسد السريعة لا أكثر. وإن كان يتذكر الحلم بدقة، فقد يكون الحلم قريبًا من وقت الاستيقاظ. وإن شعر بالراحة بعد دقائق، فقد يوحي ذلك بقدرة النفس على استعادة الهدوء. وكل ذلك صور ذهنية لا تتنبأ بشيء ولا تدل على أحد.
من الناحية العملية، يفيد بعد الاستيقاظ أن يجلس الإنسان قليلًا، وأن يتنفس ببطء، وأن يشرب ماء، وأن يشغل نفسه بما يهدّئه كضوء خافت أو ذكر هادئ. ويفيد ألا يعيد استعراض الحلم في ذهنه أو يبحث عن تفاصيله بقلق. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، فبعض التجارب الليلية قد ترتبط بالتوتر أو الإرهاق أو اضطرابات النوم، وإن تكررت الأحلام المزعجة أو الاستيقاظ المفاجئ فالأولى عرض الأمر على طبيب أو مختص أو أحد الأهل.
الاستيقاظ المضطرب لا يدوم، ويخف عادة خلال دقائق حين يتنفس الإنسان بهدوء ويعود إلى المألوف حوله. وإذا لم يُعط الحلم أكبر من حجمه، فقد يتلاشى مع الصباح كما تتلاشى غالبية الأحلام. وفي الأحلام يعيد العقل صياغة المشاعر بصور رمزية قد تبدو مبالغًا فيها. فحسب الرائي أن يعامل نفسه برفق، وأن يتذكر أن الصباح أهدأ من الليل. ومن الجميل أن يبدأ يومه بما يحبه من عمل بسيط أو مشروب دافئ. وقد يفيد أن يتحدث الإنسان في الصباح مع من يحب في أمر آخر غير الحلم، فالانشغال بالحياة اليومية يعيد التوازن بسرعة. وإن بقي الأثر ثقيلًا فلا حرج في أن يمنح نفسه قسطًا من الراحة في ذلك اليوم، فالنفس التي تُعامل برفق تتعافى أسرع.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وينبغي للرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالسكينة وراحة البال. ويُدعى له بصباح هادئ ونهار طيب. والله أعلم.
