قد يرى الإنسان في منامه طلاقًا يجري دون وجود أطفال في المشهد، فلا صغار ولا أبناء، وإنما شخصان في موقف واحد. وهذا النوع من الأحلام يحمل خصوصية، لأن غياب الأطفال يجعل المشهد يتركز على الرائي وعلى العلاقة نفسها. والرؤيا عالم رمزي لا يُقرأ بظاهره في الغالب، والحلم بالطلاق شائع ولا يعني وقوعه في الواقع. وفيما يلي عرض هادئ للمعاني المحتملة دون جزم ودون تخويف، مع مراعاة اختلاف ظروف الرائين.
غياب الأطفال في مشهد الانفصال قد يرمز إلى أن الهم الظاهر في الحلم متعلق بالرائي نفسه وبعلاقته أو بوضعه، لا بمسؤولية تجاه أبناء. وقد يعبر عن قلق من العلاقة بين شخصين وما يحتاجه كل منهما من اهتمام وإصغاء. وقد يرتبط بحاجة إلى إعادة النظر في أولويات الذات وفي الاستقلال. وفي أحيان كثيرة يكون غياب الأطفال سببه بساطة أن الحلم لم يتسع لهم، فالأحلام تختصر المشاهد. ولذلك لا يصح الجزم بتفسير واحد.
نُسب إلى ابن سيرين أن الفراق في المنام قد يدل على تحول في الحال وانتقال من وضع إلى وضع، وأن المعنى يتأثر بمن حضر المشهد ومن غاب عنه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤى الفراق تتصل بتغير الأحوال أكثر من اتصالها بالأمر الظاهر. وتتباين الأقوال في هذه الأبواب بين المعبرين، ولا يوجد قول حاسم متفق عليه. ولذلك تؤخذ هذه الآراء استئناسًا لا يقينًا، فالتعبير اجتهاد يختلف باختلاف الرائين وأحوالهم.
ويتغير المعنى بحسب السياق، فإذا كان الرائي بلا أبناء في الواقع فقد يكون غيابهم في الحلم انعكاسًا طبيعيًا لحياته، وإذا كان له أبناء وغابوا عن الحلم فقد يدل ذلك على أن الانشغال في هذه المرحلة منصب على الذات والعلاقة. وإذا شعر الرائي بالخفة لغيابهم أو بالحنين إليهم فلكل شعور دلالته. ويؤثر في الفهم كذلك المكان وما كان الرائي يفكر فيه. وكل ذلك يدخل في التقدير دون القطع به.
وإذا كانت الرائية امرأة متزوجة، فقد يعبر الحلم عن حاجتها إلى الاهتمام بنفسها وبعلاقتها بزوجها وسط انشغالات الحياة، أو عن رغبتها في وقت خاص بها. وقد يكون صدى لمرحلة تنتظر فيها أمرًا كالإنجاب أو تفكر فيه. وقد يرتبط بقلق من أن تتغير الأمور بينها وبين زوجها. وليس في ذلك دليل على خلل في العلاقة، فالأحلام تستعمل لغة الاختصار والمبالغة.
وإذا كان الرائي رجلًا متزوجًا، فقد يعكس الحلم انشغاله بعلاقته بزوجته وبما يحتاجه كل منهما من وقت وتفاهم، أو بقلق على مستقبل الأسرة. وقد يرتبط بمرحلة انتظار أو تخطيط للأسرة. وقد يعبر عن رغبته في تقوية الروابط بينهما. وهذا احتمال من احتمالات كثيرة، ولا يُجزم به دون النظر إلى حال الرائي كاملة.
وأما غير المتزوج، فقد يرى هذا المشهد وهو يفكر في العلاقات بين الأشخاص دون ارتباط بصور الأسرة، أو في ظرف يخص قراراته الشخصية. وقد يعبر الحلم عن قلق من الالتزام بعلاقة بحد ذاتها. وقد يتأثر بمشهد درامي. فالرمز أوسع من العلاقة الزوجية، وهو يتصل بمعنى العلاقة الثنائية وما فيها من مسؤولية.
وللتفاصيل أثر في الفهم، فمن كان في المشهد غير الشخصين الرئيسيين، وكيف كان الجو، وهل شعر الرائي بفراغ لغياب الأطفال أم بارتياح، وما الشعور الذي بقي بعد الاستيقاظ، كلها خيوط يمكن التأمل فيها. وإذا تكرر الحلم في فترات الضغط ثم غاب مع الراحة، فذلك يرجح أنه صدى للحال النفسية. ويفيد أن يدون الرائي ما يتذكره. ولا ينبغي أن يُبنى على الحلم موقف أو قرار في الحياة الفعلية.
من الناحية العملية، إذا كان الحلم يعكس انشغالًا بالعلاقة نفسها، فقد ينفع أن يخصص الزوجان وقتًا هادئًا للكلام والجلوس معًا وتقدير بعضهما، دون انتظار مناسبة. وإذا كانت الخلافات متكررة أو الضيق مستمرًا، فقد تفيد استشارة أسرية أو زوجية أو مختص نفسي. وإذا اشتد القلق أو طال الحزن فلا بأس بطلب مساعدة متخصصة. وإذا وُجد في الواقع عنف أو تهديد، فطلب الحماية من الجهات المختصة أمر مهم. ومع ذلك فالحلم نفسه ليس نصيحة نفسية أو أسرية أو قانونية أو دينية.
وخلاصة القول أن تعبير الرؤى اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه يقين أو قرار مصيري. وحسن الظن بالله والدعاء بصلاح الحال والذرية الطيبة لمن يرجوها أولى من الانشغال بالتخمين. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو أعلم بما تخفيه الأيام. ويُرجى لكل رائٍ مودة تدوم وبيت تسوده السكينة.
