الرؤيا صور رمزية تمتزج فيها هموم اليقظة بمشاهد النوم، وما يُقال في تفسيرها اجتهاد يختلف باختلاف الرائي وظروفه. ورؤية التراب على الكتب من الصور التي تقترب كثيرًا من الواقع، فقد يراها من انشغل عن القراءة أو من له مكتبة لم يعتن بها. وهي مع ذلك تحمل دلالة رمزية قابلة لأكثر من وجه، فلا تُعد خبرًا مؤكدًا عن شيء قادم. والأنسب أن يتأمل الرائي حاله وشعوره في الحلم بهدوء ودون استعجال.
الغبار والتراب يرتبطان في لغة الرموز بالتراكم والإهمال، وبالأرض والأصل، وبالتعب والسعي في طلب العيش. وقد يدلان على الحاجة إلى التنظيف والتجديد وإعادة ترتيب ما اختلط على النفس. ولا يُجزم بمعنى واحد، فالغبار على كتاب قديم غير الغبار على أدوات المطبخ، وغير التراب في الطريق. ويبقى السياق هو الذي يرجح معنى على آخر.
الكتب في الرؤيا ترمز عند كثير من المفسرين إلى العلم والمعرفة والتجارب المدونة وما يجمعه الإنسان من فكر وثقافة. فإذا رأى النائم التراب على كتبه، فقد يُفهم من ذلك أن في حياته علمًا مؤجلًا أو مشروعًا فكريًا تأخر العمل عليه. وقد يعبر أيضًا عن شوق إلى العودة إلى القراءة والتعلم، أو عن رغبة في ترتيب ما جمعه من معارف. وإن كان الغبار رقيقًا يُمسح بخفة فالأمر أيسر دلالة من طبقة سميكة متراكمة. وكل ذلك احتمال لا يبلغ درجة اليقين.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الكتب ما معناه أن الكتاب قد يدل على علم أو عهد أو شأن مدون، وأن ما يطرأ عليه يُقاس على حال صاحبه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يعلو الكتب من غبار قد يشير إلى تقصير في طلب علم أو تأخر في إنجاز أمر يتعلق به. وتختلف آراء المفسرين في ذلك، فمنهم من يخفف ومنهم من يحذر، ومنهم من يحصر المعنى في حال الرائي النفسية. وهذا الاختلاف دليل على أن الأقوال اجتهادية لا يلزم الأخذ بها جميعًا.
وللسياق أثر كبير في ترجيح المعنى. فهل كانت الكتب كتب الرائي أم كتبًا غريبة؟ وهل كانت في مكتبة منظمة أم مبعثرة؟ وهل شرع في مسحها أم اكتفى بالنظر إليها؟ إن الشروع في المسح قد يوحي بعزم على العودة إلى العلم والترتيب، والاكتفاء بالنظر قد يوحي بتردد أو بانشغال بأمور أخرى. وحال الإضاءة وهدوء المكان ونوع الكتب قرائن تكمل الصورة.
وإذا كانت الرائية متزوجة، فقد يرتبط الحلم برغبتها في العودة إلى قراءة أو دراسة تركتها بسبب انشغال البيت. وإن كانت عزباء، فقد يعبر عن اشتياقها إلى استكمال علم أو تطوير مهارة أُجّلت. وإن كانت حاملة، فقد يعكس رغبتها في استغلال أوقات الراحة بقراءة نافعة. وهذه قراءات نفسية قريبة من الواقع، وليست إخبارًا بشيء من الغيب. ولصاحبة الرؤيا أن تأخذ ما يوافق حالها.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد يرتبط الحلم بمشروع علمي أو مهني أجّله، أو بكتب ورثها أو جمعها ولم يعد إليها. وللطالب قد يشير إلى مذاكرة متأخرة وحاجة إلى تنظيم جدول المراجعة. وللتاجر قد يرمز إلى دفاتر وسجلات تحتاج إلى مراجعة وترتيب. وللمسافر قد يدل على شوقه إلى القراءة بعد انقطاع الطريق عنها. والرائي أعرف بما يشغله، فإن وجد في التفسير ما يوافق واقعه أخذ به برفق.
وتفاصيل الرؤيا الدقيقة تضيف معاني. فإذا كان الغبار على كتاب واحد بعينه قيل إن المعنى قد يتعلق بموضوع ذلك الكتاب، وإذا كان على رف كامل فقد يتعلق بمجال أوسع من الميول، وكل ذلك اجتهاد. وإذا مسح الرائي الغبار وفتح كتابًا فقد يوحي بعودة إلى طلب العلم. وإذا تطاير الغبار من الكتب مع فتحها فقد يعبر عن قدم ما بين اليدين وحاجته إلى التجديد. وإذا كانت الأوراق نظيفة تحت الغبار فقد يشير إلى أن الأصل سليم وينتظر العناية.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى ترتيب المكتبة وتنظيفها بانتظام، ووضع وقت يسير يومي للقراءة. ومن أراد الاستفادة منه فله أن يختار كتابًا واحدًا يعود إليه بهدوء بدل أن يثقل نفسه بخطة كبيرة. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية، فإذا كان الإنسان يعاني في الواقع من ضيق في النفس أو حساسية أو سعال عند تنظيف الكتب القديمة، فعليه مراجعة الطبيب. فالتفسير لا يغني عن الفحص.
وما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه خوف أو قرار مصيري. والأحسن أن يحسن الإنسان ظنه بالله، وأن يدعو الله أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يصرف عنه ما يكره. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما التفسير إلا محاولة للفهم والتأمل. والله أعلم بالصواب.
