الرؤيا في المنام لغة رمزية تحمل إشارات عامة ولا تُفهم على ظاهرها، ولذلك فإن حلم الهروب من الزلزال لا يعني أن الرائي سيهرب من شيء حقيقي، وإنما هو صورة تعبّر عن معنى يتصل بالرغبة في تجنب الضغط أو مواجهة التغيّر. والهروب في الرؤى يرمز إلى الابتعاد عن أمر يثقل النفس أو الإحجام عن مواجهته. فإذا جاء مع الاهتزاز فالمعنى يتجه إلى قلق من التبدل يدفع إلى التراجع أو البحث عن مخرج. ومن الحسن أن يقرأ المشهد بهدوء وتأن.
يرمز الزلزال عمومًا إلى اهتزاز الثوابت وتغيّر مفاجئ في الظروف وإعادة ترتيب الأولويات وقلق من فقدان الاستقرار بحسب السياق. وحين يقترن بالهروب فإن المعنى ينتقل إلى طريقة تعامل الرائي مع الضغط، فقد يكون في حياته أمر يتمنى الابتعاد عنه مؤقتًا كالتزام أو علاقة أو مهمة. وقد يعبّر المشهد عن حاجة إلى الراحة أكثر من كونه رغبة في الفرار الدائم. وقد يكون كذلك استجابة طبيعية لإرهاق متراكم. وهو في الغالب تغيّر عابر في الظروف يمكن تجاوزه.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الفرار والهرب أنه قد يدل على طلب النجاة من أمر مخيف أو التخلص من هم، وأن حال الهارب يشير إلى تفاوت الأمور بقدره. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الفرار من اضطراب يناسب السعي إلى تخفيف الأحوال أو التخلي عما يثقل. وتختلف آراء المفسرين في تفصيل ذلك، فمنهم من يجعله نجاة ومنهم من يجعله إحجامًا. والصور الأقل شيوعًا ومنها هذه الصورة أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيعتمد فيها على القياس والاجتهاد.
للسياق أثره في هذه الرؤيا. فإذا هرب الرائي إلى مكان آمن فالمعنى أقرب إلى إيجاد مخرج مناسب، وإذا ظل يهرب دون وصول فهو أقرب إلى قلق متواصل يحتاج إلى مواجهة هادئة. وإذا هرب مع أهله فالمعنى يتصل بحرصه عليهم، وإذا هرب وحده فهو أقرب إلى رغبة شخصية. وإذا كان الطريق مفتوحًا فالمعنى يميل إلى سهولة التجاوز، وإذا كان مزدحمًا فهو أقرب إلى كثرة العقبات. وإذا توقف في النهاية والتفت فهو يميل إلى استعداد لمواجهة ما يشغله.
بالنسبة للعزباء قد تدل الرؤيا على رغبة في الابتعاد عن ضغط دراسي أو أسري أو اجتماعي، وقد تعبّر عن تردد أمام قرار تخشى مواجهته. وإذا رأت نفسها تصل إلى مكان آمن فذلك يميل إلى إيجاد حل مناسب. وللمتزوجة قد تشير إلى رغبة في استراحة من مسؤوليات متراكمة أو من خلاف بسيط في البيت. وفي الحالين فإن الرؤيا دعوة إلى طلب العون وتوزيع الأعباء، وإلى مواجهة ما يمكن مواجهته بخطوات صغيرة.
أما الرجل فقد تدل الرؤيا على رغبة في الابتعاد عن ضغوط العمل أو التزامات مالية ثقيلة أو قرارات مؤجلة، وقد تعبّر عن حاجته إلى استراحة. وقد تدعوه إلى تنظيم أولوياته وطلب المشورة بدل الانسحاب. وأما الحامل فقد تكون الرؤيا انعكاسًا لقلقها من المرحلة القادمة وأعبائها، وهي في الغالب أثر نفسي طبيعي. والحلم ليس نصيحة طبية، ولا يغني عن مراجعة الطبيب في أي أمر يخص الحمل أو المرض، ولا يُبنى عليه قرار صحي.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها. فإذا كان الهروب سريعًا فالمعنى يتجه إلى ضغط حاد مؤقت، وإذا كان بطيئًا كأن الأرجل ثقيلة فهو أقرب إلى شعور بالعجز عن التحرك في أمر ما. وإذا هرب إلى مكان مفتوح فهو أقرب إلى حاجة إلى سعة، وإذا هرب إلى مبنى فهو أقرب إلى حاجة إلى حماية. وإذا ساعد أحدًا في الهروب فهو يميل إلى دور راعٍ، وإذا طلب المساعدة فهو أقرب إلى حاجة إلى سند. وإذا هدأ الاهتزاز بعد الهروب فالتغيّر عابر.
ومن الزاوية العملية والنفسية فإن الأحلام التي فيها هروب ترتبط عادة بالتوتر وتراكم الضغوط وتجنب مواجهة أمر ما. ومن المفيد أن يسأل الإنسان نفسه عما يرغب في تجنبه في يقظته، وأن يقسمه إلى خطوات صغيرة، وأن يطلب مشورة من يثق به. كما أن الراحة المنتظمة والرياضة الخفيفة تخففان التوتر. وإذا كان الهروب متكررًا في الأحلام ويؤثر في النوم فمراجعة مختص نفسي خطوة نافعة.
وبعد هذا كله فالتفسير المذكور اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، فلا يُخاف منه ولا يُبنى عليه قرار مصيري. وحسن الظن بالله يمنح القلب سكينة، ومن الدعاء الطيب أن يسأل الرائي ربه أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يمنحه الشجاعة والثبات. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يمر في المنام لا يغيّر شيئًا مما قدّره الله. وليمضِ الإنسان في يومه بثقة وأمل وتوكل صادق.
