يتساءل كثير من المسافرين عن معنى رؤية الزلزال في المنام، خاصة في أيام الغربة والتنقل وتغيّر الأماكن. والرؤيا في أصلها رمزية وليست حرفية، فلا تدل على حدث سيقع في الطريق ولا في بلد بعينه. وتختلف دلالة المشهد من مسافر إلى آخر بحسب سبب سفره ومدته وما يشغله. ولذلك تُقرأ الرؤيا بهدوء بوصفها إشارة محتملة، ويحسن أن ينظر المسافر فيها بما يعرفه عن حاله، وألا يجعلها سببًا لإلغاء رحلة أو الخوف منها.
الزلزال في الرموز يرتبط باهتزاز الثوابت وتغيّر مفاجئ في الظروف وإعادة ترتيب الأولويات، وقد يعكس قلقًا من فقدان الاستقرار بحسب السياق. وعند المسافر قد يتصل هذا الرمز بتغيّر مفاجئ في خطة الرحلة أو بشعور بعدم الرسوخ في مكان جديد أو بحنين إلى بيته. وقد يعبّر الحلم عن قلق مفهوم من التنقل والمواعيد والإقامة. وقد لا يكون فيه سوى صدى لتعب السفر وتبدل الأماكن والروتين.
نُسب إلى ابن سيرين أن السفر في المنام قد يدل على تغيّر الأحوال وعلى طلب أمر وسعي إليه، وأن اهتزاز الأرض قد يدل على خوف أو تبدل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يعرض للمسافر في منامه يتأثر بحاله وطريقه. غير أن المعبّرين اختلفوا في تفاصيل ذلك، ولم تفرد الكتب القديمة لرؤية الزلزال للمسافر بابًا مستقلًا، لأن الرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. ولذلك تُذكر هذه الأقوال للاستئناس لا للجزم، ودون تهويل أو إخافة.
يتأثر المعنى بالسياق، فإن كان المسافر في الطريق فقد يتصل الحلم بالتنقل وما يعرض فيه، وإن كان في فندق أو سكن مؤقت فقد يتصل بحاجته إلى الاستقرار. وإن كان في بلد الغربة فقد يتصل بالحنين إلى أهله وبيته، وإن كان عائدًا فقد يتصل بالتهيؤ للعودة وما تتطلبه من ترتيب. وإن كان معه رفقة فقد يعبّر عن التعاون، وإن كان وحده فقد يعبّر عن شعور بالوحدة. وللإحساس العام أثر ظاهر في القراءة.
وفي جانب العمل قد يعبّر الحلم عن قلق من تغيّر مهام السفر أو من تأخر الإنجاز، وعن رغبة في تنظيم الوقت. وفي جانب الدراسة بالخارج قد يتصل بالتأقلم مع بيئة ومنهج جديدين. وفي جانب الأسرة قد يعبّر عن اشتياقه لأهله وعن حرصه على الاطمئنان عليهم. وكل ذلك احتمالات لا يصح الجزم بأحدها، ولا يُجعل الحلم أساسًا لقرار يخص السفر أو الإقامة، فالقرارات تُبنى على المعلومات الواقعية لا على الأحلام.
وإن كان المسافر مريضًا أو يعاني تعبًا فقد يعبّر الحلم عن حاجة إلى راحة، دون أي ادعاء بشأن مآل ذلك، والحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن مراجعة المختصين. وإن كانت المسافرة امرأة فقد يتصل الحلم بحرصها على الأمان والتنظيم، وإن كان شابًا فقد يتصل بحماس التجربة وتهيّبها. وإن كان مسافرًا لعلاج أو عمل فقد يعبّر عن ترقب. وفي كل ذلك يبقى التفسير احتمالًا لا يقينًا.
وفي التفاصيل الدقيقة يُنظر إلى مكان وقوع الاهتزاز، هل كان في مطار أو محطة أو طريق أو سكن، وإلى ما فعله المسافر، هل تمسك بحقيبته أم بأوراقه أم ساعد غيره. فالتمسك بأوراقه قد يعبّر عن حرصه على ما يثبت هويته ومكانه، والمساعدة قد تعبّر عن جانب إنساني فيه. ويُنظر كذلك إلى ما بعد الاهتزاز، هل واصل رحلته أم عاد، فمواصلته قد توحي بقدرة على التكيف، والعودة قد توحي بحاجة إلى الاستقرار.
ومن الزاوية العملية والنفسية، فإن الأحلام تعكس غالبًا ما يشغل الذهن في اليقظة، وقد يكون هذا الحلم صدى لإرهاق السفر وتغيّر المواعيد. ويفيد المسافر أن يرتب حاجاته ووثائقه مسبقًا، وأن يحافظ على نومه وغذائه قدر الإمكان، وأن يبقى على تواصل مع أهله وأصدقائه. فالتواصل يخفف الغربة. ولا يُعدّ الحلم نصيحة طبية ولا قرارًا ماليًا، ولا ينبغي أن يُبنى عليه إلغاء رحلة أو تغيير وجهة أو الخوف من التنقل.
ومما يضيف إلى الفهم أن ينتبه المسافر إلى ما شعر به في الحلم، فإن كان قادرًا على الثبات فقد يوحي ذلك بقدرة على التأقلم، وإن كان مرتبكًا فقد يوحي بحاجة إلى تنظيم وطمأنة. وقد يكون في المشهد من يرشده أو يساعده من أهل البلد، وهذا قد يعبّر عن تيسير يلقاه في طريقه. وإن انتهى الحلم بسكون فقد يوحي ذلك بإمكان إتمام الرحلة بسلام. وتبقى هذه كلها قراءات احتمالية لا تغني عن معرفته بنفسه.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يُقصد به الجزم بشيء مما سيقع. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وتأويل الرؤى مهما اتسع يبقى قراءة محدودة. والمطلوب حسن الظن بالله والدعاء بالخير والسكينة. اللهم اجعل ما رآه هذا المسافر خيرًا وطمأنينة، واكتب له السلامة في طريقه وردّه إلى أهله بخير.
