الرؤيا في المنام لغة رمزية تحمل إشارات عامة ولا تُفهم على ظاهرها، ولذلك فإن حلم الزلزال الذي يتكرر لا يعني أن حدثًا سيتكرر في الواقع، وإنما هو صورة تعبّر عن معنى يتصل بأمر عالق يعود إلى الذهن مرة بعد أخرى. والتكرار في الرؤى يرمز إلى إلحاح فكرة أو شعور أو إلى مسألة لم تُحسم، كأن النفس تعيد عرضها حتى تُعالج. فإذا تكرر الاهتزاز فالمعنى يتجه إلى قلق مستمر من تغيير ما. ومن الحسن أن يقرأ المشهد بهدوء وتأن.
يرمز الزلزال عمومًا إلى اهتزاز الثوابت وتغيّر مفاجئ في الظروف وإعادة ترتيب الأولويات وقلق من فقدان الاستقرار بحسب السياق. وحين يتكرر فإن المعنى ينتقل إلى مرحلة تغيّر ممتدة أو إلى تفكير متكرر في أمر واحد، كقرار مؤجل أو علاقة تحتاج إلى وضوح أو مرحلة انتقال لم تكتمل. وقد يعبّر المشهد عن أن الرائي ما زال يحمل ما لم يُحل بعد. وهو في الغالب تغيّر عابر في الظروف تخف حدته بمعالجة سببه.
نُسب إلى ابن سيرين في باب التكرار والإعادة أنه قد يدل على توكيد الأمر وإلحاحه أو على استمرار حاله، وأن ما يتكرر في المنام يشير إلى قوة تعلق النفس به بقدره. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اضطراب الأرض يتصل بتقلب أحوال أهلها، وأن تكراره يناسب امتداد ذلك التقلب. وتختلف آراء المفسرين في تفصيل ذلك. والصور الأقل شيوعًا ومنها هذه الصورة أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيعتمد فيها على القياس والاجتهاد.
للسياق أثره في هذه الرؤيا. فإذا تكرر الحلم في ليالٍ متتالية فالمعنى أقرب إلى قلق يومي ملح، وإذا تكرر على فترات متباعدة فهو أقرب إلى حدث بعينه يحرك الذكرى. وإذا كان التكرار في الحلم الواحد فهو أقرب إلى تقلب متتابع في أمر معين. وإذا كانت التفاصيل نفسها فالمعنى يتجه إلى مسألة محددة، وإذا اختلفت فهو أقرب إلى مشاعر عامة. وإذا خف الشعور مع كل تكرار فذلك يميل إلى اعتياد وتكيف.
بالنسبة للعزباء قد تدل الرؤيا على قلق متكرر من قرار مؤجل في دراستها أو عملها أو ارتباطها، وقد تعبّر عن انتظار طويل. وإذا رأت نفسها أهدأ في كل مرة فذلك يميل إلى تحسن في تقبل الأمر. وللمتزوجة قد تشير إلى مسألة أسرية لم تُحسم وتعود إلى ذهنها، كالسكن أو الأبناء أو الأعباء، وقد تعكس رغبتها في حل هادئ. وفي الحالين فإن الرؤيا دعوة إلى مواجهة المسألة بخطوات صغيرة بدل تأجيلها.
أما الرجل فقد تدل الرؤيا على مسألة عمل أو مال أو مسؤولية تتردد في ذهنه ولم يجد لها حلًّا، وقد تعبّر عن ضغط مستمر. وقد تدعوه إلى تحديد المسألة بدقة وتجزئتها وطلب المشورة. وأما الحامل فقد تكون الرؤيا انعكاسًا لقلق مستمر من المرحلة القادمة أو لاضطراب النوم، وهي في الغالب أثر نفسي طبيعي. والحلم ليس نصيحة طبية، ولا يغني عن مراجعة الطبيب في أي أمر يخص الحمل أو النوم أو المرض.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها. فإذا كان الاهتزاز يعود بنفس الشدة فالمعنى يتجه إلى قلق ثابت، وإذا كان يضعف مع كل مرة فهو أقرب إلى زوال تدريجي، وإذا كان يشتد فهو أقرب إلى حاجة ملحة إلى معالجة السبب. وإذا تكرر في المكان نفسه فهو أقرب إلى مسألة تخص ذلك المكان أو ما يرمز إليه، وإذا تنقل بين أماكن فهو أقرب إلى قلق عام. وإذا هدأت الأرض بعد عدة اهتزازات فذلك يميل إلى استقرار تدريجي.
ومن الزاوية العملية والنفسية فإن الأحلام المتكررة تدل غالبًا على ضغط لم يُعالج أو أمر عالق في الذهن. ومن المفيد أن يسأل الإنسان نفسه ماذا يؤجل في يقظته، وأن يدوّن الأفكار المتكررة، وأن يضع خطوة صغيرة لمعالجة كل منها. كما أن النوم المنتظم وتقليل المنبهات والرياضة الخفيفة تخفف الأحلام المتكررة. وإذا استمرت وأثرت في الراحة فمراجعة مختص نفسي أو في النوم خطوة نافعة.
ومن المفيد كذلك أن يفرق الرائي بين تكرار الحلم لأن الأمر ما زال عالقًا وتكراره لأن الذهن يحتفظ بصورة مؤثرة من الأخبار أو المشاهد التي شاهدها نهارًا. فالصور القوية تعلق بالذاكرة وتعود في المنام دون أن تحمل رسالة خاصة. وإذا كان الحلم يعود عقب متابعة أخبار أو أفلام مثيرة فالأرجح أن يكون صدى لذلك، وعندها يكفي تقليل التعرض لتلك المشاهد وتهدئة الأمسيات. أما إذا عاد دون سبب ظاهر فربما يشير إلى شعور داخلي يستحق الإصغاء إليه بهدوء ورفق.
وبعد هذا كله فالتفسير المذكور اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، فلا يُخاف منه ولا يُبنى عليه قرار مصيري. وحسن الظن بالله يمنح القلب سكينة، ومن الدعاء الطيب أن يسأل الرائي ربه أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يفرج همه ويهيئ له حلًّا مناسبًا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يمر في المنام لا يغيّر شيئًا مما قدّره الله. وليمضِ الإنسان في يومه بثقة وأمل وتوكل صادق.
