الرؤيا في المنام لغة رمزية تحمل إشارات عامة ولا تُفهم على ظاهرها، ولذلك فإن حلم الصراخ أثناء الزلزال لا يعني أن الرائي سيمر بموقف يصرخ فيه، وإنما هو صورة تعبّر عن معنى يتصل بالتعبير عن ضغط داخلي وطلب الانتباه أو العون. والصراخ في الرؤى يرمز إلى انفعال يبحث عن متنفس أو إلى حاجة إلى أن يُسمع صوت صاحبه. فإذا جاء مع الاهتزاز فالمعنى يتجه إلى شعور بالتوتر تجاه تغيّر ما وإلى رغبة في التعبير عنه. ومن الحسن أن يقرأ المشهد بهدوء وتأن.
يرمز الزلزال عمومًا إلى اهتزاز الثوابت وتغيّر مفاجئ في الظروف وإعادة ترتيب الأولويات وقلق من فقدان الاستقرار بحسب السياق. وحين يقترن بالصراخ فإن المعنى ينتقل إلى الجانب الانفعالي، فقد يكون عند الرائي ضغط مكبوت لم يجد طريقه إلى الكلام في اليقظة، كمشاعر لم يعبّر عنها أو أمر يريد قوله ولم يجد الوقت أو الجرأة. وقد يعبّر المشهد عن حاجة إلى الإفصاح بهدوء. وهو في الغالب تغيّر عابر في الظروف أو شعور مؤقت يخف بالتعبير.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الصياح والصوت أنه قد يدل على الهم أو طلب الغوث أو الإعلان عن أمر بحسب هيئته، وأن ما يصحبه من اضطراب يشير إلى تفاوت الأحوال بقدره. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الصوت العالي في الرؤى يناسب الإفصاح عن ضيق أو الإعلان عن حاجة. وتختلف آراء المفسرين في تفصيل ذلك، فمنهم من يجعل الصراخ دلالة هم ومنهم من يجعله دلالة خير بحسب ما يصحبه. والصور الأقل شيوعًا ومنها هذه الصورة أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيعتمد فيها على القياس والاجتهاد.
للسياق أثره في هذه الرؤيا. فإذا صرخ الرائي ولم يخرج صوته فالمعنى أقرب إلى شعور بعدم القدرة على التعبير أو عدم الإصغاء إليه، وإذا خرج صوته عاليًا فهو أقرب إلى تفريغ انفعال. وإذا صرخ ليحذر الآخرين فالمعنى يتجه إلى حرص ومسؤولية، وإذا صرخ طلبًا للعون فهو أقرب إلى حاجة إلى سند. وإذا أجابه أحد فذلك يميل إلى وجود من يصغي إليه، وإذا لم يجبه أحد فهو أقرب إلى شعور بالوحدة. وإذا هدأ بعد الصراخ فهو يميل إلى راحة بعد تعبير.
بالنسبة للعزباء قد تدل الرؤيا على مشاعر لم تعبّر عنها لأهلها أو لمن حولها، أو على شعور بعدم الإصغاء إلى رأيها في قرار يخصها. وإذا رأت من يستجيب لها فذلك يميل إلى وجود من يفهمها. وللمتزوجة قد تشير إلى ضغط مكتوم تحتاج إلى إخراجه بالحوار، أو إلى تراكم مسؤوليات بلا مشاركة كافية. وفي الحالين فإن الرؤيا دعوة إلى التعبير الهادئ عن المشاعر، وإلى طلب المعاونة، فإن الكلام الصريح اللطيف يخفف الكثير.
أما الرجل فقد تدل الرؤيا على ضغط عمل أو التزامات لم يشارك فيها غيره، أو على رغبة في أن يُسمع رأيه في أمر يخصه. وقد تدعوه إلى مصارحة من يثق به وطلب المشورة. وأما الحامل فقد تكون الرؤيا انعكاسًا لانفعالات هذه المرحلة وتقلب مشاعرها، وهي في الغالب أثر نفسي طبيعي. والحلم ليس نصيحة طبية، ولا يغني عن مراجعة الطبيب في أي أمر يخص الحمل أو المرض، وليس دليلًا على حال أحد.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها. فإذا كان الصراخ بكلمة معينة فقد ترمز تلك الكلمة إلى ما يشغل الرائي، وإذا كان بلا كلمات فهو أقرب إلى انفعال عام. وإذا صرخ جماعة معه فالمعنى يتجه إلى قلق مشترك، وإذا صرخ وحده فهو أقرب إلى شعور شخصي. وإذا استيقظ على صوت صراخه فقد يكون الحلم متصلًا بتوتر النوم. وإذا اعتذر لمن حوله بعد الصراخ فهو أقرب إلى حرص على العلاقات. وإذا انتهى الاهتزاز وبقي الصمت فذلك يميل إلى هدوء بعد التعبير.
ومن الزاوية العملية والنفسية فإن الصراخ في الأحلام يرتبط كثيرًا بالضغط المكتوم وقلة التعبير عن المشاعر. ومن المفيد أن يجد الإنسان وسائل صحية للتفريغ، كالمشي والرياضة الخفيفة والكتابة والكلام مع شخص موثوق، وأن يتدرب على التعبير عن حاجاته بوضوح وأدب. كما أن التنفس العميق قبل النوم يخفف من حدة الانفعال. وإذا تكرر الحلم أو أثر في النوم فمراجعة مختص نفسي خطوة نافعة.
وبعد هذا كله فالتفسير المذكور اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، فلا يُخاف منه ولا يُبنى عليه قرار مصيري. وحسن الظن بالله يمنح القلب سكينة، ومن الدعاء الطيب أن يسأل الرائي ربه أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يشرح صدره وييسر له أمره. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يمر في المنام لا يغيّر شيئًا مما قدّره الله. وليمضِ الإنسان في يومه بثقة وأمل وتوكل صادق.
