من الصور التي تعلق بالذاكرة أن يرى الإنسان في منامه عيدًا كأنه ينتظره، فالأبواب مفتوحة والمائدة معدّة والوجوه تترقب قدومه. والرؤيا رمز يحتمل أوجهًا متعددة، ولا يُقطع بمعنى واحد ثابت لها. وهي في هذا التفسير صورة نفسية تعبّر عن مشاعر الرائي وذكرياته، وليست رسالة غيبية ولا إشارة إلى شيء ينتظره في الواقع. ولذلك يُقدَّم التفسير قراءةً رمزية عامة هادئة لا تدّعي علمًا بالغيب. والمقصود به تأمل ما قد تحمله الصورة من معانٍ إنسانية.
العيد في الرمز العام هو الفرح والاجتماع وصلة الرحم والكرم والتجدد. وحين يبدو العيد منتظِرًا فقد يعبّر ذلك عن شعور الرائي بأن له مكانًا مهيأً بين أهله وأحبته. وقد تعبّر الصورة عن حاجة إلى أن يشعر بأنه مرغوب فيه ومشتاق إليه. وتتلون هذه المعاني بحسب تفاصيل الحلم وما يشعر به الرائي. وليست الصورة أكثر من تعبير داخلي عن هذا الإحساس.
وورد في الحديث الصحيح بمعناه أن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا (متفق عليه). وفي ذلك بيان لمكانة العيد في وجدان الجماعة وارتباطه بالاجتماع. وورد بمعناه أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وفي هذا تعليم بأن الأحلام أنواع، فلا يُجعل كل منام رسالة أو علامة. وليس في الحديثين تفسير لهذا الحلم على وجه التحديد، وإنما هما أصلان عامان. ويكتفى بهما دقةً وتحرزًا.
ذكر بعض المعبّرين فيما يُروى عنهم أن الأعياد في الرؤى تُحمل على السرور والاجتماع وانشراح الصدر. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى معنى قريب، وهو أن العيد قد يشير إلى التئام الشمل. وتتفاوت ألفاظ هذه النسبة بين الكتب والنسخ، فلا يُقطع بها. وأما صورة العيد المنتظِر فتتعدد فيها أقوال المعبّرين، فبعضهم يحمله على الشوق وبعضهم على صدى الأمل. فهي إشارات عامة تحتمل الصواب والخطأ، ولا تُجعل نبوءة.
وللسياق أثره في فهم الحلم. فإذا كان العيد ينتظر الرائي في بيت أسرته فقد يعبّر ذلك عن حنين وشعور بالانتماء. وإن كان ينتظره في مكان غريب فقد يعبّر عن رغبة في الاندماج والأنس. وإن كان الرائي يتردد قبل الدخول فقد يعبّر عن تحفظ أو تعب، وإن كان يهرع فقد يعبّر عن لهفة. ويختلف الشعور بين من يستيقظ مبتهجًا ومن يستيقظ مشتاقًا. وكل ذلك يُقرأ بمرونة.
والرائي هنا قد يكون أيّ إنسان يتوق إلى أن يُستقبل بحفاوة. والعيد المنتظِر قد يرمز إلى حاجة إلى الاحتفاء والتقدير والشعور بأن هناك من يفتقده. وقد يعبّر عن أمل نفسي عام بأيام أخف، دون ربطه بحدث محدد في الواقع. وقد يكون صدى لتجارب سابقة كان فيها الأهل ينتظرونه في المناسبات. وتبقى هذه معاني نفسية عامة، لا تحمل خبرًا عن غيب.
وللتفاصيل أثرها: فالأبواب المفتوحة توحي بالاستعداد للاستقبال، والمائدة المعدّة توحي بالكرم والتهيئة. والضيوف الذين يرحبون بالرائي يوحون بالودّ، والأضواء المعلقة توحي بالبهجة. وإن كان أحد يناديه باسمه فقد يعبّر ذلك عن الحاجة إلى الانتماء. وإذا اضطربت الصورة فهي رموز مفتوحة لا يُبنى عليها قرار.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بقيمة أن يكون للمرء من يفتح له بابه، وبفائدة أن يفتح هو بابه لغيره. ويمكن أن يبادر الرائي بزيارة قريب أو استقبال صديق أو دعوة جار إلى جلسة بسيطة. وليس الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ولا يغني عن مختص. وإذا غلبت الوحدة أو الحزن على أيامه فمن المناسب أن يتحدث مع أحد من أهله أو مع مختص موثوق. ومن المفيد أن يتذكر الرائي أن الإنسان يُقدَّر لذاته لا لحضوره في مناسبة، وأن مكانته في قلوب أحبته لا تتوقف على صورة يراها في منامه.
وفي أدب الرؤى ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه)، وورد بمعناه أن من رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب (متفق عليه). وفي هذا تعليم لحمد الله على ما يسر والتحفظ في ذكره. ومن اللطيف أن يتذكر الرائي أن الأحلام لا تُدار بها الأيام، وأن القرارات تُبنى على الأسباب والتشاور لا على الصور المنامية. وإذا بدا العيد في الحلم منتظرًا فذلك تعبير نفسي مألوف. ويكفي أن يبقى المشهد ذكرى لطيفة دون تحميله ما لا يحتمل.
وتفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليحسن الرائي الظن بربه، وليكثر من الدعاء بالخير والسكينة. والعيد الذي بدا منتظرًا في منامه صورة تعبّر عن مشاعر، ولا تحمل رسالة ولا خبرًا عن غيب أو مستقبل. والله أعلم.
