من أجمل الصور أن يرى الإنسان في منامه عيدًا تغمره أنوار ساطعة تملأ المكان بالإشراق. والرؤيا رمز يحتمل أوجهًا متعددة، ولا يُقطع بمعنى واحد ثابت لها. والضوء في الأحلام يتبدل بتبدل الحالة النفسية، فقد يزداد سطوعًا عند الارتياح وقد يخفت عند التعب. ولذلك يُقدَّم هذا التفسير قراءةً رمزية عامة هادئة، لا تحمل الضوء على بشارة ولا تدّعي علمًا بالغيب. والمقصود به تأمل ما قد توحي به الصورة من معانٍ.
العيد في الرمز العام هو الفرح والاجتماع وصلة الرحم والكرم والتجدد. وإذا اجتمع معه ضوء ساطع فقد يعبّر ذلك عن وضوح في النفس وإقبال على الحياة وانشراح. وقد تعبّر الصورة عن رغبة في أن تكون الأجواء مشرقة وأن تكون الصلات صافية. وتتلون هذه المعاني بحسب تفاصيل الحلم وما يشعر به الرائي. وليست الصورة أكثر من تعبير داخلي عن مشاعر.
ومن الإنصاف ألا يُحمَّل هذا المشهد أكثر مما يحتمل، فهو صورة من صور العيد في الذاكرة، وتتفاوت دلالته بتفاوت أحوال الناس وما يشغل خواطرهم. ويُنظر إلى الأمر في ضوء الواقع الذي يعيشه الرائي، فكثير من الصور تتشكل من الذاكرة والمشاعر، ولا تحمل رسالة بذاتها. وإن ترك المشهد في النفس أثرًا حسنًا فليكن ذلك دافعًا إلى مزيد من الهدوء والتواصل الطيب مع من حوله. ومن أحسن الظن بربه وأخذ من المشهد ما يطمئنه فقد أصاب حظًّا طيبًا من التأمل.
ذكر بعض المعبّرين فيما يُروى عنهم أن الأعياد في الرؤى تُحمل على السرور والاجتماع وانشراح الصدر. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى معنى قريب، وهو أن العيد قد يشير إلى التئام الشمل. وتتفاوت ألفاظ هذه النسبة بين الكتب والنسخ، فلا يُقطع بها. وأما الضوء الساطع فتتعدد فيه أقوال المعبّرين، فبعضهم يحمله على الوضوح والسرور وبعضهم على صدى النفس. فهي إشارات عامة تحتمل الصواب والخطأ.
وللسياق أثره في فهم الحلم. فإذا كان الضوء ساطعًا ومريحًا فقد يوحي بالصفاء والارتياح. وإن كان باهرًا يؤذي النظر فقد يعبّر عن شعور بالضغط أو الكثرة. وإن كان الرائي يتمتع بالضوء فقد يعبّر ذلك عن قبول للحياة، وإن كان يتحاشاه فقد يعبّر عن رغبة في الهدوء. ويختلف الشعور بين من يستيقظ منشرحًا ومن يستيقظ متعبًا. وكل ذلك يُقرأ بمرونة.
والرائي هنا قد يكون أيّ إنسان يرغب في أن تنكشف له الأمور ويرتاح فكره. والضوء الساطع قد يرمز إلى حاجة إلى الوضوح والبساطة وإلى الخروج من الغموض. وقد يعبّر عن حيوية ونشاط وإقبال على الحياة. وقد يكون صدى لنهار مشمس أو لإضاءة المناسبات أو لمشهد جميل في اليقظة. وتبقى هذه معاني نفسية عامة، لا تحمل خبرًا عن غيب.
وللتفاصيل أثرها: فالأنوار المتلألئة على الجدران قد توحي بالبهجة والاحتفاء، والشمس الدافئة قد توحي بالألفة والطمأنينة. والأسطح اللامعة قد توحي بالنظافة والتجدد، والوجوه المضيئة بالابتسام توحي بالمودة. وإن كان الضوء يقل تدريجيًا فقد يعبّر ذلك عن انتقال المشهد إلى هدوء. وإذا اضطربت الصورة فهي رموز مفتوحة لا يُبنى عليها قرار.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بقيمة التعرض لضوء النهار والخروج إلى الهواء الطلق والتواصل مع الناس. ويمكن أن يرتب الرائي أيامه بحيث ينال قسطًا من الراحة والحركة الخفيفة. وليس الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ولا يغني عن مختص. وإذا كان القلق أو الضيق يتصل بأيامه فمن المناسب أن يتحدث مع أحد من أهله أو مع مختص موثوق. ويحسن به كذلك أن يحافظ على نوم منتظم وغذاء متوازن وقسط من الحركة، فهذه من أسباب صفاء الذهن التي تخفف من ثقل الأحلام وتشوشها.
وفي أدب الرؤى ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه)، وورد بمعناه أن من رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب (متفق عليه). وفي هذا تعليم لحمد الله على ما يسر والتحفظ في ذكره. وإن رأى ما يكره فليستعذ بالله ولا يشغل نفسه به. ومن الجميل أن يتذكر الرائي أن الإشراق الحقيقي في الكلمة الطيبة والخلق الحسن، وأن النور الذي يسكن القلب أبقى من نور الأضواء. وإذا أبهره الضوء في الحلم فذلك من طبيعة الأحلام التي تضخّم الصور. ويكفي أن يبقى المشهد صورة بهية في الذاكرة دون تحميله ما لا يحتمل.
وتفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليحسن الرائي الظن بربه، وليكثر من الدعاء بالخير والسكينة. والعيد الذي رآه تحت ضوء ساطع صورة تعبّر عن مشاعر، ولا تحمل خبرًا عن غيب أو مستقبل. والله أعلم.
