فرحة الأطفال بالعيد في المنام صورة تلامس القلب مباشرة، ففيها ضحكات عالية وعيون مبتهجة وخطوات راكضة بين الغرف والساحات. ومن يراها قد يستيقظ بابتسامة عريضة أو بدفء يشبه ما يشعر به أمام صغير يضحك من قلبه. والأحلام في أصلها صور رمزية تتألف من الذاكرة والمشاعر والمشاهد، وليست أخبارًا قاطعة. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه)، لكن ذلك لا يعني أن كل منام يحمل خبرًا. وما يلي عرض للدلالات الرمزية المحتملة بلا جزم.
ورمزية فرحة الأطفال بالعيد تدور حول براءة الفرح وصفاء القلب وتجدد الأمل. فالطفل في الرؤى كثيرًا ما يرمز إلى البدايات والنقاء وما في النفس من بساطة، وفرحه يرمز إلى قدرة الإنسان على أن يسعد بالقليل. وفي سياق العيد تتصل الصورة بمعاني التجمع وصلة الرحم والكرم وانقضاء مرحلة وبداية أخرى. وقد تعبّر في الحلم عن رغبة الرائي في استعادة صفاء قلبه أو في حماية فرحة من يحب. وهي صورة وجدانية مطمئنة في الغالب.
ومن المشاهد في حياة الناس أن العيد عند الأطفال يبدأ قبل صباحه بأيام، فهم يعدّون الساعات ويتخيلون الثياب والحلوى واللقاءات. وهذه فرحة لا يشوبها حساب ولا تأجيل، ولذلك يحنّ الكبار إليها ويرون فيها نموذجًا للصفاء. ويُستحضر هذا المعنى في الحديث عن الحلم باعتباره صورة لبراءة الفرح لا أكثر. وليس في ذلك تفسير جازم لرؤيا محددة.
وذكر بعض المعبّرين فيما يُتداول من كلامهم أن الصغار في المنام يُقرأ حالهم بحسب هيئتهم وما يقترن بهم، وأنهم يميلون في الجملة إلى معاني البراءة والرجاء والسرور. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى نحو ذلك مع ربط الدلالة بالسياق. وتتفاوت عبارات المعبرين تفاوتًا ظاهرًا، فلا يمكن الجزم بقول منها. ويُكتفى بالمعنى العام، وهو أن فرحة الأطفال بالعيد صورة للنقاء والبهجة.
ويتأثر المعنى بسياق الحلم. فإذا كان الأطفال يضحكون ويلعبون في أجواء هادئة آمنة، فقد تعبّر الصورة عن طمأنينة وسلام داخلي. وإذا ظهر طفل حزين أو معزول وسط الفرحة، فقد يعكس الحلم اهتمامًا بمن يشعر بالنقص أو القلق على أحد المقربين. وقد يرى الإنسان نفسه طفلًا بين الفرحين، فيكون ذلك أقرب إلى حنين إلى الطفولة. والشعور الذي يتركه الحلم هو أصدق ما يوجّه الفهم.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فالأب والأم قد يريان في الصورة صدى لحبهما وحرصهما على إسعاد أولادهما، والجد والجدة قد يجدان فيها حنانًا وسعادة بالأحفاد. والمعلم أو العامل مع الأطفال قد يرى انعكاسًا لعمله، والشاب قد يستحضر طفولته وأعياده الأولى. ومن لا يعيش قرب أطفال قد يعبّر الحلم عنده عن شوق إلى براءة افتقدها. وكل ذلك قراءات نفسية مرنة.
وللتفاصيل رمزية مألوفة. فالضحكات العالية قد ترمز إلى انفتاح القلب، والركض في الساحة قد يرمز إلى الحيوية والحرية. والثياب الجديدة قد ترمز إلى التجدد، والبالونات قد ترمز إلى الخفة والآمال المتصاعدة. والتقاط الأطفال للحلوى بأيديهم الصغيرة قد يرمز إلى بساطة السعادة، وعناق طفل لأحد الكبار قد يرمز إلى القرب والأمان. ولا يُجزم بمعنى واحد لأي تفصيل.
ومن الناحية النفسية قد يعبّر الحلم عن حاجة إلى استعادة خفة النفس وبساطتها، أو عن شعور بالمسؤولية تجاه من يحب من الصغار. وقد يظهر عند من أثقلته الأيام فاشتاق إلى فرح لا يحتاج إلى أسباب كبيرة. ويمكن للرائي أن يقضي وقتًا مع الأطفال أو يشاركهم لعبًا بسيطًا، فهذا من أسرع ما يخفف عن النفس. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بحزن مستمر أو قلق فليتحدث مع مختص أو أحد أهله.
ومن الجميل أن يتذكر الكبار أن ما يسعد الصغار في العيد قليل الكلفة كثير الأثر: اهتمام وابتسامة وحضور صادق. فجلوس قصير معهم قد يبقى في ذاكرتهم عمرًا طويلًا. وإذا ترك الحلم أثرًا طيبًا فليكن حافزًا لإدخال السرور على طفل في الأسرة أو الحي. وليس من اللازم أن يُحلَّل كل وجه صغير في الحلم تحليلًا مرهقًا.
وفي الختام فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا. ويُدعى الله أن يحفظ الأطفال ويملأ قلوبهم بالفرح الصافي. وتبقى براءتهم مرآة تذكّر الكبار بصفاء البدايات.
