العيدية في المنام من الصور المحببة التي تحمل فرحة الصغار وابتسامة الكبار، ففيها يد تمتد بمظروف صغير أو ورقة مطوية ونظرات تلمع بالسرور. ومن يراها قد يستيقظ بابتسامة أو بحنين إلى طفولة كانت العيدية فيها أمنية العيد الأولى. والأحلام في أصلها صور رمزية تتألف من الذاكرة والمشاعر والمشاهد، وليست إخبارًا قاطعًا. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه)، لكن ذلك لا يعني أن كل منام خبر. وما يلي عرض للدلالات الرمزية المحتملة بلا جزم.
ورمزية العيدية تدور حول العطاء والبهجة والتقدير. فهي في حقيقتها رسالة محبة صغيرة تقول للطفل إن له مكانًا في القلب وإن فرحه مقصود. وفي سياق العيد تتصل الصورة بمعاني الفرح والتجمع وصلة الرحم والكرم وانقضاء مرحلة وبداية أخرى. وقد تعبّر في الحلم عن رغبة الرائي في أن يشعر بالتقدير أو أن يمنحه لغيره. والأهم في الرمز أنه عن الاعتبار والبهجة، وليس عن مقدار المال أو قيمته.
وورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «الكلمة الطيبة صدقة» (متفق عليه). وفي هذا ما يذكّر بأن العطاء لا يقتصر على المال، وأن الكلمة الطيبة والابتسامة تحملان قيمة كبيرة في القلوب. وهو نص عام في قيمة الإحسان القولي، وليس تفسيرًا لحلم محدد. ويُستحضر منه هنا أن العيدية أجمل ما فيها كلمة المحبة التي تصاحبها.
وذكر بعض المعبّرين فيما يُتداول من كلامهم أن العطاء والهبة في المنام يُقرآن بحسب المعطي والآخذ وما يقترن بهما، وأن العطاء الطيب يميل إلى معاني الود والكرم. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى نحو ذلك مع التفاوت في التفصيل. وتتفاوت عبارات المعبرين تفاوتًا ظاهرًا، ولا يصلح الجزم بقول واحد. ولا يُستفاد من هذه الأقوال وعد بمال أو غيره، وإنما معنى عام هو الكرم والبهجة.
ويتأثر المعنى بسياق الحلم. فإذا كانت العيدية تُعطى بيد حانية وابتسامة، فقد تعبّر الصورة عن مودة وتقدير. وإذا كان الرائي يبحث عن عيدية ولا يجدها، فقد يعكس ذلك شوقًا إلى التفات أو اعتراف. وقد يعطي الرائي ولا يجد من يأخذ، فيكون ذلك أقرب إلى رغبة في العطاء لم تجد طريقها. والشعور بعد الاستيقاظ هو أصدق ما يوجّه الفهم.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فالطفل يرى العيدية فرحة مباشرة ولعبة مرتقبة، والأب أو الجد قد يرى فيها صورة حنانه على أصغر أفراد الأسرة. والمرأة قد ترى فيها حرصها على إدخال السرور على الصغار، والشاب قد يستحضر ذكرى أول عيدية أخذها. ومن كان في مرحلة جديدة قد يرى العيدية رمزًا للانتقال من تلقي الهدية إلى العطاء. وكل ذلك قراءات نفسية مرنة.
وللتفاصيل رمزية مألوفة. فالمظروف الملون قد يرمز إلى العناية بالفرح، والورقة الجديدة النظيفة قد ترمز إلى بداية صفحة طيبة. والعد المتكرر للنقود في الحلم قد يعبّر عن انشغال أو حرص، ووضعها في الجيب برضا قد يعبّر عن اطمئنان. وفرحة الطفل حين يتسلم عيدية صغيرة قد ترمز إلى أن الفرح لا يتوقف على المقدار، وإخفاؤها عن أنظار الآخرين قد يعبّر عن حرص طفولي. ولا يُجزم بمعنى واحد لأي تفصيل.
ومن الناحية النفسية قد يعبّر الحلم عن حاجة إلى الشعور بالتقدير والاهتمام، أو عن رغبة في ممارسة الكرم الذي يمنح صاحبه سعادة. وقد يظهر عند من يتذكر طفولته وبساطة فرحه بالأشياء الصغيرة. ويمكن للرائي أن يقدّم لمن حوله عطاءً بحسب استطاعته، ولو كلمة طيبة أو وقتًا يمنحه لهم. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بقلق مستمر حول أمر مالي أو غيره فليتحدث مع مختص أو أحد أهله.
ومن اللطائف أن العيدية ذكرى تبقى مع الإنسان طويلًا لا بسبب قدرها بل بسبب الوجه الذي أعطاها. فالجد الذي يضع في يد حفيده شيئًا صغيرًا بابتسامة يترك أثرًا يتجاوز المال. وإذا ترك الحلم أثرًا طيبًا فليجعله الرائي دافعًا إلى إدخال السرور على صغير في أسرته أو حيه. وليس من المطلوب أن يُنسج حول كل مظروف في الحلم تفسير طويل.
وختامًا فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا. ويُدعى الله أن يوسع القلوب بالكرم وأن يملأ الأيام بالمودة. وتبقى النية الصافية أثمن عطاء يقدّمه الإنسان لغيره.
