تبادل التهاني في العيد في المنام مشهد مشرق تتكرر فيه العبارات الطيبة والابتسامات والتحايا بين الوجوه المألوفة. ومن يراه قد يستيقظ بدفء في القلب كأن الكلمات قيلت له فعلًا، أو بحنين إلى أصوات أحبّها. والأحلام في أصلها صور رمزية تتكون من الذاكرة والمشاعر والمشاهد، وليست خبرًا قاطعًا بشيء. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، ولذلك تُؤخذ الصور بهدوء واعتدال. وما يلي عرض للدلالات الرمزية المحتملة دون جزم.
ورمزية تبادل التهاني تدور حول المودة والتقدير والبشاشة وتبادل الدعاء. فالتهنئة في أصلها اعتراف بفرح الآخر ومشاركة فيه، وهي تعبّر عن رغبة في أن يكون الناس قريبين بعضهم من بعض. وفي سياق العيد تتصل بمعاني التجمع وصلة الرحم والكرم، وبانقضاء مرحلة وبداية أخرى تُفتح بكلمة طيبة. وقد تعبّر في الحلم عن حاجة الرائي إلى أن يكون محاطًا بمن يحبونه وبمن يقدّرونه. وهي صورة ودودة في مجملها.
وورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» (رواه مسلم). وفي هذا ما يذكّر بأن البشاشة عند اللقاء معروف صغير لكنه عظيم الأثر في القلوب. وهو نص عام في قيمة الوجه الطيب والكلمة اللطيفة، وليس تفسيرًا لحلم محدد. ويكفي أن يُستحضر منه أن تبادل التهاني يزرع الألفة بين الناس.
وذكر بعض المعبّرين فيما يُتداول من كلامهم أن اللقاء والتحايا في المنام تُقرأ بحسب حال المتلاقين وما يدور بينهم، وأن الكلام الطيب يميل إلى معاني الود. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى معنى قريب مع التأكيد على أثر التفاصيل. وتتفاوت الأقوال، ولا يصلح الجزم بواحد منها. والأقرب أن يؤخذ المعنى العام، وهو أن تبادل التهاني صورة للتواصل والتقدير المتبادل.
ويتأثر المعنى بسياق الحلم. فإذا كانت التهاني تتبادل بين أهل البيت والجيران بصوت هادئ، فقد تعبّر عن ألفة واطمئنان. وإذا كانت تتكاثر وتتزاحم حتى يختلط الكلام، فقد ترمز إلى كثرة العلاقات واشتغال الرائي بإرضاء الجميع. وقد يتلقى الرائي التهنئة ولا يستطيع الرد، فيكون ذلك أقرب إلى قلق من التقصير أو الارتباك الاجتماعي. والشعور الذي يتركه الحلم هو الأقدر على ترجيح معناه.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فالموظف قد يرى انعكاسًا لعلاقاته في عمله وحاجته إلى التقدير، والطالب قد يرى فيه شوقًا إلى زملائه ومعلميه. والأم قد تجد فيه تعبيرًا عن اهتمامها بأن يتواصل الأولاد مع أهلهم، والمغترب قد يرى التهاني تصله من وطنه فيحن إليه. وقد يرى كبير السن أصوات أحبته القدامى فيستعيد ذكريات عزيزة. وكلها قراءات نفسية مرنة.
وللتفاصيل رمزية مألوفة. فالتهنئة المصحوبة بابتسامة قد ترمز إلى الصدق والألفة، والتهنئة الهاتفية قد ترمز إلى الحرص على الصلة من بعد. والبطاقات المكتوبة قد ترمز إلى الاعتناء بالتفاصيل الجميلة، والتهنئة المرتجلة في الطريق قد ترمز إلى عفوية المودة. وتأخر الرد أو ضياع الصوت قد يعبّر عن قلق عابر، وارتفاع الأصوات قد يعبّر عن حماس الجماعة. ولا يُجزم بمعنى واحد لأي تفصيل.
ومن الناحية النفسية قد يكشف الحلم عن حاجة إلى الشعور بالتقدير والقرب من الآخرين، أو عن رغبة في أن تُسمع كلمة طيبة بعد أيام مثقلة. وقد يظهر عند من يعيش بعيدًا عن أحبته فتتحول مشاعره إلى مشهد من التهاني. ويمكن للرائي أن يبدأ هو بالكلمة الطيبة مع من حوله في الواقع، فذلك يرد إلى نفسه أضعاف ما يعطيه. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بوحدة مستمرة أو حزن فليتحدث مع مختص أو أحد أهله.
ومن اللطيف أن التهنئة لا تكلّف شيئًا لكنها تترك أثرًا طويلًا. فكلمة صادقة قد تعيد إلى قلب إنسان ثقته بأن له مكانًا في قلوب الناس. وإذا ترك الحلم أثرًا طيبًا فليجعله الرائي بداية لتواصل مع من انقطع عنه. وليس من المفيد أن يُحلَّل كل وجه أو عبارة في الحلم تحليلًا مرهقًا. وكثيرًا ما يكون الدعاء الذي يصاحب التهنئة أبقى في الذاكرة من الهدايا والزينة.
وفي الختام فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا. ويُدعى الله أن يدخل السرور على قلوب عباده وأن يجمعهم على الخير. وتبقى البشاشة أيسر أبواب الصدقة وأقربها إلى القلب.
