قد يرى الإنسان في منامه أنه في صباح العيد يسامح شخصًا أو يُسامَح منه، فتنفرج نفسه ويشعر بخفة في صدره. هذه الرؤيا رمزية في أصلها، وتفسيرها اجتهاد يختلف باختلاف حال الرائي وما يمر به. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، وأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه). فلا يُبنى على المشهد توقع لصلح أو علاقة في الواقع، وإنما يُنظر إليه صورة نفسية. وهي في الغالب تعبير عن الحاجة إلى الصفاء والتخفف.
العيد في الرمز العام يدل على الفرح والتجمع وصلة الرحم والكرم والتجدد، وفيه انقضاء مرحلة وبداية أخرى. والمسامحة في الرمز العام تدل على فتح باب جديد وعلى وضع ما أثقل القلب جانبًا. فإذا اجتمع المعنيان فقد يعكس ذلك رغبة الرائي في أن يدخل مرحلته المقبلة بقلب أخف وأهدأ. وقد تكون المسامحة موجهة نحو الآخرين، وقد تكون موجهة نحو الرائي نفسه حين يعفو عن تقصير يظنه في نفسه. وكل ذلك قراءة عامة لا جزم فيها.
ومما يلتقي مع هذا المعنى العام قول الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟ ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة النور، الآية 22). وفي الآية دعوة هادئة إلى العفو والصفح، وتذكير بأن الإنسان نفسه يرجو مغفرة ربه. ولا تُنزَّل الآية على هذا الحلم كأنها تفسير مباشر له، ولا تُستعمل لإلزام الرائي بشيء. وإنما هي إشارة عامة إلى جمال القلوب التي تتسع، وهو معنى يقترب من جوهر الأعياد.
وفي كتب التعبير المتداولة عن بعض المعبّرين أن العفو في المنام يدل في الغالب على سعة الصدر وعلى الراحة النفسية. وذكر آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم أن الأعياد ترتبط بالفرح واجتماع الأحبة وصفاء الأجواء. ويختلف المعبّرون في الدلالة بحسب هوية من جرت المسامحة معه وحال الرائي في المنام. ولا يُجزم بنسبة كل قول إلى صاحبه تفصيلًا. فهي أقوال تُؤخذ للاستئناس والتأمل لا للقطع.
يتأثر المعنى بسياق المشهد وما يرافقه من مشاعر. فإن كانت المسامحة سهلة وصادقة فقد يعكس ذلك ارتياحًا داخليًا وحاجة إلى السكينة. وإن كانت صعبة ومتعبة فقد يعكس ذلك صراعًا في النفس بين الرغبة في التجاوز وبين أثر ما حدث. وإن كانت المسامحة جماعية في مجلس عيد فقد يشير ذلك إلى شوق إلى جو ودي عام. وليست هذه الصور خبرًا بما سيجري في الواقع بين الرائي وأحد.
وللرائي أثر في الدلالة، فمن كان يحمل في يقظته هموم علاقة متعبة قد يرى المنام انعكاسًا لما في نفسه. ومن كان هادئ البال في علاقاته قد يكون المنام عنده صدى لمشهد من مشاهد العيد المعتادة. والشاب قد يعبّر المنام عنده عن رغبة في بدء صفحة جديدة، والكبير قد يعبّر عن حنين إلى صفاء قديم. ولا يصلح أن تُسحب دلالة واحدة على كل رائ، فكل نفس لها ما تحمله.
وللتفاصيل صور عامة. فالابتسامة المتبادلة ترمز إلى زوال التوتر، والمعانقة إلى التقارب، والدموع الهادئة إلى تفريغ ما في الصدر. والتأخر عن قول الكلمة قد يعكس تردد النفس، والكلمة الطيبة المسموعة قد ترمز إلى حاجة الرائي إلى التقدير. وورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الكلمة الطيبة صدقة (متفق عليه)، وهو تذكير عام بأثر القول الليّن. ولا تُحمَّل هذه الصور أكثر من معناها العام.
ومن الناحية النفسية قد يكون المنام امتدادًا لتفكير الرائي في مواقف مضت، أو رغبة في إعادة النظر في حدود ما يتحمله. ومن المفيد أن يفرّق بين مسامحة القلب التي تخفف الثقل، وبين إعادة العلاقة كما كانت، فكلاهما أمر مختلف يحتاج إلى وقت وتقدير. وقد يجد الرائي راحة في الكتابة عما يشعر به أو في الكلام مع من يثق به. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده الحزن أو الضيق فليتحدث إلى مختص أو إلى أحد أهله.
ويحسن بمن رأى هذا المشهد أن يتذكر أن التخفف من الأثقال لا يتم بين ليلة وضحاها. فالقلوب تحتاج إلى مهلة، والأيام تساعد على ترتيب ما في النفس. والعيد بما فيه من معنى التجدد قد يكون تذكيرًا لطيفًا بأن للبدايات بابًا مفتوحًا. ويكفي الرائي أن يأخذ من المنام ما يخفف عنه دون إلزام نفسه بشيء. وبذلك يبقى المنام في مكانه الصحيح صورة عابرة تحمل خيرًا.
وفي الختام فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني، ولا يُجزم فيه بشيء، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى ما يحب فليحمد الله وليحسن الظن به. ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). ويبقى الدعاء بالخير وحسن الظن بالله خير ما يُستقبل به كل يوم جديد.
