الحديقة في العيد في المنام مكان مفتوح عامر بالخضرة والأصوات الهادئة، ففيه ممرات ظليلة وأطفال يركضون وعائلات تفترش الأرض وروائح تختلط بين العشب والطعام. ومن يراها قد يستيقظ بإحساس بالصفاء أو بحنين إلى أيام قضاها في أماكن مشابهة. والأحلام في أصلها صور رمزية تتكون من الذاكرة والمشاعر والمشاهد، وليست أخبارًا يقينية. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه)، لكن ذلك لا يعني أن كل منام خبر. وما يلي عرض للدلالات الرمزية المحتملة بلا جزم.
ورمزية الحديقة في العيد تدور حول السكينة والخضرة والبهجة المشتركة. فالحديقة في الرؤى كثيرًا ما ترمز إلى الراحة والجمال والنمو الهادئ، وحضورها في العيد يضيف إليها معنى اللقاء والفرح. وهي ترتبط بمعاني التجمع وصلة الرحم والكرم وانقضاء مرحلة وبداية أخرى. وقد تعبّر في الحلم عن حاجة الرائي إلى مكان يلجأ إليه من ضوضاء الأيام، أو عن اشتياقه إلى جو من الأنس الطبيعي. وهي صورة وجدانية مريحة.
ومن مألوف الناس في الأعياد أن تمتلئ الحدائق والمتنزهات بالأسر الباحثة عن هواء طلق وفسحة بعد صباح حافل بالزيارات. وهي أماكن يلتقي فيها الجيران والأصدقاء على غير ميعاد ويتبادلون التحية. ويُستحضر هذا المعنى في الحديث عن الحلم باعتباره صورة للأنس الاجتماعي في المساحات المفتوحة لا أكثر. وليس في ذلك تفسير جازم لرؤيا محددة.
وذكر بعض المعبّرين فيما يُتداول من كلامهم أن الخضرة والبساتين في المنام تُقرأ بحسب حالها وما يقترن بها، وأنها تميل في الجملة إلى معاني الراحة والانشراح. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى نحو ذلك مع ربط الدلالة بالسياق. واختلفت عبارات المعبرين اختلافًا ظاهرًا، ولا يصلح الجزم بقول واحد منها. والأنسب أن يؤخذ المعنى العام، وهو أن الحديقة في العيد صورة للسكينة والبهجة.
ويتأثر المعنى بسياق الحلم. فإذا كانت الحديقة نظيفة مشرقة والناس مرتاحين فيها، فقد تعبّر الصورة عن راحة واطمئنان. وإذا كانت مهملة أو مزدحمة أو ذابلة الأشجار، فقد تعكس شعورًا بنقص الراحة أو بكثرة الضغوط. وقد يرى الإنسان أنه يتجول وحده فيها، فيكون ذلك أقرب إلى حاجة إلى التأمل أو شعور بالوحدة. والشعور بعد الاستيقاظ هو الخيط الأهم لفهم الصورة.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فالطالب قد يرى فيها حاجة إلى فسحة بعد دراسة طويلة، والموظف قد يرى فيها شوقًا إلى وقت هادئ بعيدًا عن المكاتب. والأم قد ترى صورة لحرصها على أن يلعب أولادها في مكان آمن، والمغترب قد يرى حديقة حيّه القديم فيشتاق إليها. وقد يرى كبير السن جلسة قديمة على مقعد في حديقة مألوفة. وكل ذلك قراءات نفسية مرنة.
وللتفاصيل رمزية مألوفة. فالأشجار الظليلة قد ترمز إلى الحماية والسكينة، والأزهار قد ترمز إلى الجمال واللطف. والنافورة قد ترمز إلى تجدد الصفاء، والمقاعد الخشبية قد ترمز إلى الاستراحة وتبادل الحديث. وتجول الأطفال بين الأشجار قد يرمز إلى البراءة والاكتشاف، والعصافير قد ترمز إلى خفة النفس وانطلاقها. ولا يُجزم بمعنى واحد لأي تفصيل.
ومن الناحية النفسية قد يعبّر الحلم عن حاجة إلى الطبيعة والهدوء، أو عن رغبة في أن يلتقي الإنسان بنفسه بعيدًا عن الضجيج. وقد يظهر عند من يقيمون في أماكن مزدحمة فيتشوقون إلى مساحة خضراء. ويمكن للرائي أن يجعل لنفسه وقتًا للمشي أو الجلوس في مكان هادئ مع من يحب. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بضيق مستمر أو قلق فليتحدث مع مختص أو أحد أهله.
ومن الجميل أن يتذكر الإنسان أن أجمل الحدائق ما كانت في القلوب قبل الأرض. فالقلب الذي تعمره المودة والرضا يحمل في داخله ظلًّا وسكينة أينما ذهب. وإذا ترك الحلم أثرًا طيبًا فليجعله الرائي دافعًا إلى لقاء أسري في مكان مفتوح أو إلى زيارة قريب. وليس من الضروري أن يُفتَّش في كل شجرة وزهرة عن رمز مخفي، فبعض مشاهد الحلم مجرد صدى لنزهات قديمة أو لحديث عن الحدائق في أيام العيد.
وفي الختام فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا. ويُدعى الله أن يملأ القلوب سكينة وأن يرزق الجميع هدوء البال. وتبقى الخضرة في الأرض تذكيرًا بالنعم التي يستحق الشكر.
