المعايدة في المنام من الصور القريبة إلى القلب، ففيها وجوه تبتسم وأيد تتصافح وكلمات طيبة تتبادلها الألسن صباح العيد. ومن يراها قد يستيقظ بشعور بالألفة أو بدفء يشبه ما يحسه بعد لقاء حميم. والأحلام في أصلها صور رمزية تتألف من الذكريات والمشاعر والمشاهد المألوفة، وليست أخبارًا يقينية عن المستقبل. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه)، لكن ذلك لا يجعل كل منام خبرًا. وما يلي عرض للدلالات الرمزية المحتملة بلا جزم.
ورمزية المعايدة تدور حول التواصل والمودة وتبادل الدعاء الطيب. فهي وقت اعتراف متبادل بين الناس بأن لبعضهم على بعض مكانة، وأن الفرح يكتمل بالمشاركة. وفي سياق العيد تتصل بمعاني التجمع وصلة الرحم والكرم، وبانقضاء مرحلة وبداية أخرى تُفتح بكلمة طيبة. وقد تعبّر في الحلم عن حاجة الرائي إلى التقدير والقرب من الآخرين، أو عن رغبته في تصفية ما بينه وبين غيره. وهي في مجملها صورة اجتماعية دافئة.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ﴾ (سورة النساء، الآية 86). وفي هذا ما يذكّر بقيمة التحية الطيبة ورد الجميل بمثله أو بأحسن منه في حياة الناس. وهي آية عامة في أدب التحية، وليست تفسيرًا لرؤيا محددة، ولا تُنزَّل على علاقة أحد بغيره. ويكفي أن يُستحضر منها أن الكلمة الطيبة تُبنى بها الألفة.
وذكر بعض المعبّرين فيما يُتداول من كلامهم أن اللقاء والتحية في المنام يُقرآن بحسب حال المتلاقين وما يدور بينهم، وأن التحية الطيبة تميل إلى معاني الود. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى نحو ذلك مع التقييد بالسياق. واختلفت عبارات المعبرين اختلافًا ظاهرًا، ولا يصلح الجزم بقول منها. والأقرب أن يؤخذ المعنى العام، وهو أن المعايدة صورة للتواصل والرغبة في الصفاء.
ويتأثر المعنى بسياق الحلم. فإذا جاءت المعايدة بين أقارب أو أصدقاء في جو هادئ، فقد تعبّر عن ألفة ورغبة في تقوية الصلة. وإذا جاءت من شخص لا يعرفه الرائي أو في جو غامض، فقد تكون صدى لحاجة إلى الاعتراف أو الانتماء. وقد لا يجد الرائي من يعايده أو يُهمل في المشهد، فيكون ذلك أقرب إلى حساسية أو شوق إلى التفات الآخرين. والشعور الذي يصاحب الاستيقاظ هو أنفع ما يرجّح المعنى.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فمن كان بينه وبين قريب جفوة قد يعبّر الحلم عنده عن رغبة في الصلح، ومن كان وحيدًا قد يعبّر عن حاجة إلى الأنس. والأم قد ترى فيها اهتمامها بأن يتواصل أولادها مع أرحامهم، والموظف قد يرى انعكاسًا لعلاقاته في عمله. والمغترب قد يرى رسائل المعايدة تتتابع فيشتاق إلى أهله. وكل ذلك احتمالات تتأثر بحال الرائي وما يعرفه من نفسه.
وللتفاصيل دلالات مألوفة. فالمصافحة الدافئة قد ترمز إلى الصفاء والثقة، والعناق قد يرمز إلى القرب والاشتياق. والهدية الصغيرة التي تصاحب المعايدة قد ترمز إلى الكرم، والرسالة المكتوبة قد ترمز إلى الرغبة في الحفاظ على الصلة عن بعد. وترديد الدعاء الطيب قد يرمز إلى حسن الظن بالناس، وتأخر الرد على التحية قد يعبّر عن قلق عابر من التقصير. ولا يُجزم بمعنى واحد لأي تفصيل.
ومن الناحية النفسية قد يكشف الحلم عن حاجة عميقة إلى التواصل والقبول، أو عن رغبة في إصلاح علاقة تحتاج إلى خطوة أولى. وقد يظهر عند من تعب من الانشغال فاشتاق إلى كلمة طيبة. ويمكن للرائي أن يبادر في الواقع باتصال أو رسالة لطيفة لمن يحب. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر معه الشعور بالوحدة أو القلق فالأولى أن يتحدث مع مختص أو أحد أهله.
ومن الجميل أن المعايدة كلمات قليلة لكنها تفتح أبوابًا من الودّ. فقد تبعث في قلب إنسان طمأنينة لا تُقدَّر بثمن، وقد تذيب جليد خصومة قديمة. وإذا ترك الحلم أثرًا طيبًا فليكن حافزًا للبدء بالتحية قبل أن يُنتظر السؤال. وليس من اللازم أن يُفسَّر كل وجه يظهر في الحلم تفسيرًا مستقلًا.
وفي الختام فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا. ويُدعى الله أن يؤلف القلوب على المودة وأن يجعل الكلام بين الناس طيبًا. وتبقى التحية الصادقة بابًا من أبواب الألفة.
