قد يرى الإنسان في منامه أنه يعيش يوم العيد في بلد آخر غير بلده، بشوارع وأصوات ووجوه مختلفة عما اعتاد. هذه الرؤيا رمزية في أصلها، وتفسيرها اجتهاد يتغير بتغير حال الرائي وما يمر به. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وأن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه). فلا يُفهم المشهد على أنه خبر عن سفر أو إقامة أو تغيير في الواقع. وإنما هو صورة تحمل معاني التجدد والانفتاح وتبدل الأجواء.
العيد في الرمز العام يدل على الفرح والتجمع وصلة الرحم والكرم والتجدد، وفيه انقضاء مرحلة وبداية أخرى. والبلد الآخر في الرموز قد يرمز إلى مساحة جديدة في النفس أو إلى مرحلة مختلفة من الحياة لم يألفها الرائي بعد. فاجتماع العيد مع البلد الغريب في مشهد واحد قد يعكس تفكير الرائي في كيف تكون مشاعره وعاداته حين يتغير المكان وتبقى المناسبة. وقد يكون في ذلك فضول أو شوق أو تطلع هادئ. وكل ذلك قراءة عامة لا جزم فيها.
وفي معنى اللطف الذي يسهل التواصل في أي مكان ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الكلمة الطيبة صدقة (متفق عليه). وفي الحديث ما يذكّر بأن الكلمة اللينة لغة مفهومة في كل بلد، وأن التهنئة الصادقة تعبّر عن المودة مهما اختلفت اللهجات. ولا يُنزَّل الحديث على هذا الحلم كأنه تفسير له، وإنما يُستأنس به معنًى عامًّا في جمال حسن المعاملة. وهو ما يناسب أجواء العيد حين يلتقي أهله بالتحية.
وفي كتب التعبير المتداولة عن بعض المعبّرين أن الانتقال إلى بلاد غير معهودة في المنام يُفسَّر في الغالب بتغير الأحوال النفسية أو بالتأمل في مرحلة جديدة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى أن الأعياد تدل على الفرح واجتماع الأحبة، وأن اختلاف المكان يضيف إليها معنى الاتساع. ويختلف المعبّرون في تفصيل ذلك بحسب حال الرائي وما يراه، ولا يُجزم بنسبة كل قول إلى صاحبه. فهي أقوال للاستئناس لا للقطع.
يتغير أثر المشهد بحسب مشاعر الرائي فيه. فإن كان مسرورًا بما يرى فقد يعكس ذلك فضولًا محمودًا وانفتاحًا على التجارب. وإن كان متوجسًا من الغرابة فقد يعكس ذلك قلقًا طبيعيًا من التغيير. وإن كان يشعر بالألفة رغم اختلاف المكان فقد يعكس ذلك أن مصدر الراحة عنده داخلي لا يرتبط ببقعة محددة. وهذه كلها صور نفسية لا تدل على حدث قادم.
وللرائي أثر في الدلالة أيضًا. فمن كان كثير الأسفار قد يمزج المنام بخبراته السابقة وذكرياته عن الأعياد في أماكن مختلفة. ومن لم يغادر بلده قد يكون المنام عنده تعبيرًا عن فضول أو حلم يقظة. والمغترب قد يظهر في منامه مزيج من حنين وتأقلم، والطالب قد يعبّر المنام عنده عن رغبة في اتساع أفقه. فالدلالة تُستخرج من حياة صاحبها لا من قاعدة لازمة للجميع.
وللتفاصيل رموزها العامة. فالشوارع المزدانة والأسواق المزدحمة ترمز إلى حيوية الحياة وتنوعها، والوجوه الغريبة المبتسمة إلى سعة المودة. واللغة التي لا يفهمها الرائي قد تعكس شعورًا بالحاجة إلى مزيد من التواصل، والبيت الذي يستقبله قد يرمز إلى الأمان الذي يحمله معه. وإن اختلط الأمر عليه في الطريق فقد يعكس ذلك انشغال البال بترتيب ما يستجد. ولا تُفهم هذه التفاصيل نذيرًا ولا وعدًا.
ومن الناحية النفسية قد يكون المنام امتدادًا لقصة قرأها الرائي أو شاهدها أو لكلام سمعه عن سفر أو هجرة. وقد يكون تعبيرًا عن رغبة في كسر الرتابة أو عن حاجة إلى تغيير بسيط في الروتين. ومن المفيد أن يسأل الرائي نفسه عما يحتاجه فعلًا، وقد يكفي أن يجرب شيئًا جديدًا صغيرًا في يومه. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده القلق أو الشعور بالضيق فليتحدث إلى مختص أو إلى أحد أهله.
ويحسن بمن رأى هذا المشهد أن يتذكر أن العيد معنى يحمله القلب أينما كان. فالفرح الصادق لا يتعلق بجغرافيا، ولمة الأحبة قد تتحقق بكلمة أو مكالمة. والتجدد الذي يرمز إليه العيد لا يحتاج إلى سفر، وإنما إلى نظرة جديدة إلى ما حول الإنسان. وبهذا تكون الصورة المنامية دعوة لطيفة إلى التأمل لا أكثر. ويبقى الرائي هادئًا مطمئنًا إلى حاضره.
وفي الختام فإن ما ورد هنا اجتهاد بشري ظني، ولا يُقطع فيه بشيء، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى ما يحب فليحمد الله وليحسن الظن به. ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). ويبقى الدعاء بالخير وحسن الظن بالله خير ما يُستقبل به كل يوم جديد.
