قد يرى الإنسان في منامه أنه يعيش يوم العيد في مدينة كبيرة، بشوارعها المزدانة وأضوائها وحركة المارة فيها. هذه الرؤيا رمزية في أصلها، وتفسيرها اجتهاد يتغير بتغير حال الرائي وما يمر به من أيام. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وأن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه). فلا يُبنى على هذا المشهد توقع بانتقال أو تغيير في الواقع، وإنما يُنظر إليه صورة تحمل معاني الحيوية والتنوع والانفتاح. والقراءة الهادئة له أنفع للرائي من القراءة المتعجلة.
العيد في الرمز العام يدل على الفرح والتجمع وصلة الرحم والكرم والتجدد، وفيه انقضاء مرحلة وبداية أخرى. والمدينة في الرموز تعبّر في الغالب عن الحركة والتعدد واتساع الفرص والعلاقات، كما تعبّر أحيانًا عن الازدحام وكثرة المطالب. فاجتماع المدينة والعيد في مشهد واحد قد يعكس تفكير الرائي في كيف تُعاش الأفراح وسط إيقاع سريع. وقد يكون فيه تأمل في معنى القرب الإنساني في أماكن واسعة. وكل ذلك قراءة عامة لا جزم فيها.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا» (متفق عليه). وفي الحديث ما يذكّر بأن للعيد مكانة في حياة المسلمين، وأنه يوم يُستقبل بالبهجة في أي مكان يكونون فيه. ولا يُنزَّل الحديث على هذا الحلم كأنه تفسير له، وإنما هو معنى عام يذكّر بجمال الأعياد في كل بيئة. وفي هذا ما يناسب مشهد المدينة التي تتسع لمعانٍ كثيرة من الفرح.
وفي كتب التعبير المتداولة عن بعض المعبّرين أن الأسواق والبلدان الكبيرة في المنام ترتبط في الغالب بالنشاط وتعدد الأحوال. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى أن الأعياد تدل على الفرح واجتماع الأحبة، وأن المدينة تضيف إليها معنى الاتساع. ويختلف المعبّرون في تفصيل ذلك بحسب ما يراه الرائي، فمنهم من يشدد على الحال النفسية ومنهم من يشدد على الظرف الاجتماعي. ولا يُجزم بنسبة كل قول إلى صاحبه تفصيلًا. فهي أقوال للاستئناس والتأمل لا للقطع.
يتغير أثر المشهد بحسب سياقه وما يرافقه من مشاعر. فإن كانت المدينة مضيئة والمارة يتبادلون التهاني فقد يعكس ذلك رغبة في الألفة وسط الزحام. وإن كان الرائي تائهًا في شوارعها فقد يعكس ذلك انشغالًا بكثرة الاختيارات وتزاحم المطالب. وإن كان يتأمل أضواءها من مكان عالٍ فقد يعكس ذلك ميلًا إلى النظرة الشاملة والتروي. وهذه كلها قراءات احتمالية لا يُبنى عليها يقين، ولا تُربط بحدث في اليقظة.
وللرائي أثر في الدلالة، فمن كان يعيش في مدينة قد يرى المنام انعكاسًا لروتينه وما تعوّد عليه من أصوات وحركة. ومن كان قادمًا من مكان أهدأ قد يعبّر المنام عنده عن فضول أو شعور بالدهشة أو بالحنين إلى هدوء أكبر. والطالب أو العامل قد يمزج المنام بما يعيشه من انشغال وازدحام، والأسرة الشابة بما تتمناه من لقاءات في العيد. فالمعنى يُشتق من حياة صاحبه لا من قاعدة جاهزة للجميع. وتتغير القراءة كذلك بتغير مراحل حياة الرائي.
وللتفاصيل رموز عامة يُستأنس بها. فالأضواء والزينة ترمز إلى الاحتفاء بالمناسبة، والحدائق العامة إلى متنفس القلب، والمقاهي والساحات إلى اللقاءات والكلمات العابرة. والشوارع المزدحمة ترمز إلى تعدد الخيارات وكثرة ما يشغل البال، والأبراج العالية إلى الطموحات والتأمل في الأفق. وإن ظهر الصمت وسط الزحام فقد يعكس ذلك حاجة إلى أوقات هادئة مع النفس. ولا تُفهم هذه الصور على أنها نذير أو بشارة.
ومن الناحية النفسية قد يكون المنام امتدادًا لتفكير الرائي في إيقاع حياته اليومية وما يشعر به من تسارع. ومن المفيد أن يسأل نفسه كيف يوازن بين الانشغال واللقاء بالأحبة، وهل يجد وقتًا يخصصه للتواصل الحقيقي مع أهله وأصدقائه. وقد يكفي أحيانًا مكالمة قصيرة أو زيارة قريبة لتبديد شعور بالانفصال وسط الزحام. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده القلق أو الإرهاق فليتحدث إلى مختص أو إلى أحد أهله.
ويحسن بمن رأى هذا المشهد أن يتذكر أن الأنس يُصنع بالنية والمبادرة أكثر مما يتعلق بالمكان. فالمدينة الكبيرة قد تتسع لعلاقات صادقة إذا وُجد من يطرق الباب ويسأل عن الجار. والعيد فرصة مناسبة لتجديد هذه الصلات بكلمة أو بطبق صغير أو بتحية في الطريق. والأعمال اليسيرة تترك أثرًا طيبًا في القلوب أطول مما يظن صاحبها. وبهذا يتحول المنام إلى دافع لطيف للتواصل.
وفي الختام فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني، ولا يُقطع فيه بشيء، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى ما يحب فليحمد الله وليحسن الظن به. ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). ويبقى الدعاء بالخير وحسن الظن بالله خير ما يُستقبل به كل يوم جديد.
