كعك العيد في المنام من الصور التي تفوح منها رائحة الزمن القديم، ففيها عجين يُشكَّل وأقراص تُنقش وصواني تُدخل الفرن وأهل البيت يتحلقون حولها بالحديث والضحك. ومن يراه قد يستيقظ بحنين إلى أيام الطفولة أو إلى بيت جدته. والأحلام في أصلها صور رمزية تتألف من الذكريات والمشاعر والمشاهد، وليست أخبارًا يقينية. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه)، لكن ذلك لا يجعل كل منام خبرًا. وما يلي عرض للدلالات الرمزية المحتملة دون جزم.
ورمزية كعك العيد تدور حول العمل الجماعي والعادة المتوارثة والبهجة المشتركة. فصنع الكعك عادة عائلية تجتمع فيها الأيدي على عمل واحد، ويتناقل فيها الكبار الخبرة إلى الصغار. وفي سياق العيد تتصل الصورة بمعاني الفرح والتجمع وصلة الرحم والكرم وانقضاء مرحلة وبداية أخرى. وقد تعبّر في الحلم عن رغبة الرائي في أن يستعيد دفء عائلة تتعاون وتتقاسم الفرح. وهي صورة نفسية دافئة تميل إلى الحنين.
ومما يعرفه الناس عن هذا التقليد أنه يرتبط في كثير من البيوت بالتحضير للعيد قبل أيام، وأنه يتحول إلى مناسبة للحكايات والتعاون أكثر منه إلى مجرد إعداد طعام. وهذه عادة اجتماعية تختلف أسماؤها وأشكالها من بلد إلى آخر، وتحمل في ثناياها معاني الأصالة والانتماء. ويُستحضر هذا المعنى في الحديث عن الحلم باعتباره صورة للتراث العائلي لا أكثر. وليس في ذلك تفسير جازم لحلم محدد.
وذكر بعض المعبّرين فيما يُتداول من كلامهم أن الخبز والعجين في المنام يُقرآن بحسب هيئتهما وما يقترن بهما، وأنهما يميلان في الجملة إلى معاني الكسب الطيب والاجتماع. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى نحو ذلك مع اختلاف في التفاصيل. وتتفاوت عبارات المعبرين، فلا يمكن الجزم بقول واحد. والأنسب أن يُؤخذ المعنى العام، وهو أن صنع كعك العيد صورة للتعاون والتهيؤ المشترك للفرح.
ويتأثر المعنى بسياق الحلم. فإذا كان العمل مرحًا والجميع يشارك والرائحة طيبة، فقد تعبّر الصورة عن ألفة وانسجام. وإذا احترق الكعك أو لم يختمر العجين أو تأخر الوقت، فقد تعكس قلقًا من التقصير أو الاستعجال. وقد يرى الإنسان أنه يعمل وحده بينما يغيب غيره، فيكون ذلك أقرب إلى شعور بكثرة المسؤولية. والشعور الذي يتركه الحلم بعد الاستيقاظ هو أصدق ما يوجّه الفهم.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فالمرأة التي اعتادت صنع الكعك قد يكون الحلم عندها صدى مباشرًا لانشغالها بالتحضير. والفتاة الصغيرة قد ترى فيه مشاركة تتعلم بها من أمها، والرجل قد يستحضر رائحة بيت العائلة القديم. ومن كان بعيدًا عن أهله قد يرى في الكعك حنينًا إلى أحضانهم. وكل ذلك قراءات نفسية مرنة لا تقطع بشيء.
وللتفاصيل رمزية مألوفة. فالعجين الطري قد يرمز إلى المرونة والتهيؤ للتشكل، والنقش على سطح الكعك قد يرمز إلى العناية بالتفاصيل والجمال. وصواني الفرن الساخنة قد ترمز إلى جهد يبلغ ثمرته، والسكر الأبيض المنثور قد يرمز إلى الصفاء والبهجة. وتوزيع الكعك على الجيران قد يرمز إلى الكرم والود، وتجمع الأطفال حول الصينية قد يرمز إلى براءة الانتظار. ولا يُجزم بمعنى واحد لأي تفصيل.
ومن الناحية النفسية قد يعبّر الحلم عن حنين إلى جو الأسرة وإلى بساطة الأيام الماضية، أو عن رغبة في العمل المشترك الذي يقرّب القلوب. وقد يظهر عند من يشعر بكثرة الأعباء الفردية فيشتاق إلى تعاون حقيقي. ويمكن للرائي أن يقترح في الواقع عملًا جماعيًا بسيطًا مع أهله ليحيوا تلك الألفة. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بحزن أو قلق مستمر فليتحدث مع مختص أو أحد أهله.
ومن اللطيف أن كعك العيد يُحفظ في الذاكرة بالحكايات المصاحبة له أكثر مما يُحفظ بطعمه. فتلك الأيدي المتعاونة والضحكات المتبادلة هي ما يمنح العيد معناه. وإذا ترك الحلم أثرًا طيبًا فليجعله الرائي دافعًا إلى إحياء عادة عائلية دافئة أو إلى زيارة من يحب. وليس من الضروري أن يُبحث عن تفسير لكل شكل ينقش في الحلم.
وفي الختام فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا. ويُدعى الله أن يحفظ الألفة بين الأسر وأن يبارك في اجتماعها. وتبقى العادات الطيبة جسورًا بين الأجيال.
