صلاة العيد في المنام من الصور المهيبة التي تجمع بين الخشوع والفرح، ففيها صفوف مترابطة وأصوات تكبير وجماعة تتجه إلى جهة واحدة في صباح مشرق. ومن يراها قد يستيقظ بقلب هادئ أو بإحساس بالانتماء إلى جماعة كبيرة. والأحلام في أصلها صور رمزية تتألف من الذاكرة والمشاعر، وليست خبرًا قاطعًا. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، ولذلك يُنظر إليها بهدوء. وما يلي عرض للدلالات الرمزية المحتملة، ولا يتناول شيئًا من أمور العبادة التي تُترك لأهل العلم.
ورمزية صلاة العيد في الحلم تدور حول الاجتماع والتوحد والسكينة والتجدد. فهي صورة لجماعة تلتقي في صباح واحد على معنى واحد، فتتقارب القلوب وتخفّ الفوارق. وهي ترتبط بمعاني الفرح والتجمع وصلة الرحم، إذ يلتقي بعدها الأقارب والجيران. وقد تعبّر عن انقضاء مرحلة وبداية أخرى، وعن حاجة داخلية إلى التوجه الهادئ إلى الله بعد انشغال. وهي في الجملة صورة نفسية دافئة تميل إلى الطمأنينة.
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ ﴿وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ﴾ (سورة الأعلى، الآيتان 14 و15). وفي هذا ما يذكّر بمعاني صفاء النفس وذكر الله والتوجه إليه، وهي معان جليلة تتصل بأجواء العيد في صورتها العامة. وهي آيات عامة لا تُنزَّل على حلم محدد ولا تُجعل مقياسًا لحال أحد. ويكفي أن يُستحضر منها أثر الذكر والخشوع في تهدئة القلب.
وذكر بعض المعبّرين فيما يُتداول من كلامهم أن الاجتماع في الطاعة في المنام يُقرأ بحسب هيئته وسياقه، وأنه يميل إلى معاني الألفة والسكينة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى نحو ذلك مع اختلاف في التفاصيل بحسب الأحوال. وتتعدد أقوال المعبرين في هذا الباب، ولا يصلح الجزم بقول واحد. والأقرب أن يؤخذ منه المعنى العام، وهو أن اجتماع الناس في صباح العيد صورة للوحدة والهدوء.
ويتأثر المعنى بسياق الحلم. فإذا ظهرت الصفوف مرتبة والأصوات هادئة والمكان مشرقًا، فقد تعبّر الصورة عن سكينة وانسجام. وإذا ظهر الزحام شديدًا أو تأخر الرائي عن الجماعة أو لم يجد مكانًا، فقد يعكس ذلك قلقًا من الفوات أو شعورًا بالغربة وسط الناس. وقد يرى الإنسان نفسه يقف بين أهله وأحبابه، فتكون الصورة للألفة والانتماء. والشعور بعد الاستيقاظ هو الأقرب إلى المعنى.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فالشاب قد يرى فيها حنينًا إلى جو الجماعة والصحبة، والأب قد يراها صورة لحرصه على جمع أسرته على الخير. والمغترب قد يستحضر صباحًا قديمًا قضاه بين أهله ويشتاق إليه، وكبير السن قد يعبّر الحلم لديه عن سكينة مألوفة. والطفل يرى الصباح كله فرحة وحماسًا حتى في أثناء الجماعة. وهذه قراءات نفسية مرنة لا يُقطع بها.
وللتفاصيل رمزيتها المألوفة. فالتكبير المرتفع قد يرمز إلى فرحة الجماعة وارتباطها بذكر الله، والثياب النظيفة قد ترمز إلى الاستعداد والتجدد. والمصلى المفتوح تحت السماء قد يرمز إلى السعة والانفتاح، وتبادل التحية بعد الصلاة قد يرمز إلى الصفاء والألفة. ووجود الأطفال بين الصفوف قد يرمز إلى براءة الفرح، وغياب أحد الأحبة قد يعبّر عن شوق إليه. ويبقى كل ذلك رمزًا يحتمل أكثر من معنى.
ومن الناحية النفسية قد يعبّر الحلم عن حاجة إلى السكينة والانتماء، أو عن رغبة في الخروج من العزلة إلى جو الجماعة. وقد يظهر عند من أرهقته أيام مزدحمة فتتجه نفسه إلى ما يهدئها. ويمكن للرائي أن يجعل لنفسه وقتًا هادئًا للذكر والتأمل وللقاء من يحب. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر معه القلق أو الحزن فالأولى أن يتحدث مع مختص أو أحد أهله.
ومن اللطائف أن العيد في حقيقته اجتماع قلوب قبل أن يكون اجتماع أجسام. فالابتسامة والتحية والسؤال عن الأحوال قد تعمّر ما لا تعمّره الكلمات الكثيرة. وإذا ترك الحلم أثر سكينة فليستثمره الإنسان في تصفية قلبه من الخصومة. وليس لأحد أن يبني على الحلم أمرًا في العبادة أو غيرها، فذلك مرده إلى أهل العلم.
وفي الختام فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا. ويُدعى الله أن يؤلف بين القلوب وأن يرزق الجميع خشوعًا وسكينة. وتبقى الطمأنينة بذكر الله أصدق ما ينشده المرء.
