الاستعداد للعيد في المنام مشهد مألوف يجمع الحركة والنشاط والترقب، ففيه ترتيب للبيت وتجهيز للثياب وإعداد للطعام وتفكير في الزائرين. ومن يراه قد يستيقظ وهو يشعر ببعض التعب اللطيف أو ببعض الاستعجال. والأحلام في أصلها صور رمزية تتشكل من الذاكرة والمشاعر والأفكار اليومية، فكثيرًا ما تحاكي ما يشغل الإنسان في يقظته. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه)، لكن ليست كل صورة في المنام من هذا القبيل. وما يلي عرض للدلالات الرمزية المحتملة دون جزم.
ورمزية الاستعداد للعيد تدور حول التهيؤ والترتيب والعناية بالتفاصيل، وحول الرغبة في استقبال الفرح استقبالًا حسنًا. فهو يرمز إلى مرحلة تسبق انقضاء فترة وبداية أخرى، يجمع فيها الإنسان أمره ويرتب ما حوله. ويرتبط كذلك بمعاني الكرم وصلة الرحم، إذ يُراد من الاستعداد غالبًا إكرام الأهل والضيوف. وقد يعبّر في الحلم عن حرص الرائي على أن يكون حاضرًا لمن يحب بصورة طيبة. وكل ذلك قراءة رمزية مفتوحة.
وفي الحديث المتفق عليه قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى». وفي هذا ما يذكّر بأن حسن القصد يمنح الأعمال معناها، وأن التجهيز لأي مناسبة طيبة تزداد قيمته حين يرافقه صفاء النية. وهو نص عام في قيمة النية، ولا يصلح أن يُنزَّل تفسيرًا لرؤيا محددة. ويكفي منه في هذا الباب أن يُشار إلى معنى القصد الحسن في الاستعداد للفرح.
وذكر بعض المعبّرين في أبواب الأعمال والمناسبات أن ما يشتغل به الإنسان في منامه من ترتيب وتجهيز يُقرأ بحسب ما يتصل به، وأن الاستعداد للفرح يميل إلى معاني التهيؤ والرغبة في الاجتماع. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى نحو هذا المنحى مع ربط الدلالة بالتفاصيل. وتختلف عبارات المعبرين، ولا يصلح الجزم بقول واحد. والأقرب أن يُنظر إلى الصورة نظرة تأمل هادئ في حال الرائي وما يشغله.
ويتأثر المعنى بسياق الحلم. فإذا جرى الاستعداد في هدوء وتعاون بين أهل البيت، فقد يعبّر ذلك عن ألفة وانسجام وحرص على الاجتماع. وإذا جرى في عجلة وضيق وقت، فقد يعكس شعورًا بالضغط أو بكثرة المطلوب. وقد يظهر نقص في بعض المستلزمات فيرمز إلى قلق من التقصير، وقد يظهر كل شيء جاهزًا فيرمز إلى رغبة في الراحة والاطمئنان. والشعور الذي يصاحب الاستيقاظ هو الدليل الأقرب إلى المعنى.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فربة البيت قد تجد في الحلم انعكاسًا مباشرًا لانشغالها بالتحضير، فلا يكون إلا صدى للنهار. والموظف قد يرى فيه رغبة في إنجاز مهماته قبل الإجازة. والأب قد يعبّر الحلم لديه عن حرصه على إدخال البهجة على أسرته. والمغترب قد يرى استعدادًا لعيد يريد قضاءه مع أهله. وكل ذلك تأويل نفسي يتأثر بحال الرائي أكثر مما يتأثر بأي قاعدة ثابتة.
وللتفاصيل في الاستعداد رمزية مألوفة. فترتيب الغرف وتنظيفها قد يرمز إلى صفاء الصدر وترتيب الأولويات، وإعداد الطعام قد يرمز إلى الكرم والحرص على إكرام الناس. وتجهيز الثياب قد يرمز إلى التجدد والرغبة في بداية طيبة، وتعليق الزينة قد يرمز إلى إدخال السرور. والذهاب إلى السوق قد يرمز إلى الاستعداد والتفكير في احتياجات الآخرين. أما نسيان أحد المستلزمات فقد يعبّر عن قلق لا أكثر.
ومن الناحية النفسية قد يكون الحلم استمرارًا لانشغال الذهن بقائمة طويلة من المهام قبل المناسبة. وقد يعبّر عن رغبة في أن تمضي الأمور بسلاسة وفي أن يرضى من حوله. ويفيد الرائي أن يوزّع المهام على من يعيشون معه وأن يمنح نفسه استراحات قصيرة. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بقلق مستمر أو إرهاق ثقيل فليتحدث مع مختص أو أحد أهله. والاستعداد الحقيقي للعيد يبدأ بقلب خفيف.
ومن الحسن أن يتذكر الإنسان أن الاستعداد للعيد ليس سباقًا في الزينة ولا في كثرة الأصناف. فأجمل ما يُستقبل به الضيف وجه بشوش وبيت دافئ وكلمة طيبة. وإذا كان الحلم قد أثقل صدره بالتفكير، فليكتب ما يحتاج إليه وليبدأ بالأهم دون إرهاق. وليس في الأحلام ما يُحاسب الإنسان على تقصير في المناسبات.
وفي الختام فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا. ويُدعى الله أن يجعل الاستعداد لكل خير سهلًا وأن يملأ البيوت سكينة. وتبقى النية الطيبة أفضل زاد لكل مناسبة.
