قد يرى الإنسان في منامه أنه في يوم عيد وقد اجتمع طرفان بينهما خصام فيتصافحان ويعود الود بينهما، وقد يكون هو أحد الطرفين أو الساعي بينهما. هذه الرؤيا رمزية في أصلها، وتفسيرها اجتهاد يتغير بتغير حال الرائي وما يحمله في قلبه. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وأن الحلم من الشيطان (متفق عليه). فلا يُفهم المشهد على أنه خبر عن صلح سيقع في الواقع أو عن خصام سينتهي. وإنما يُقرأ صورةً نفسية تعبّر عن شوق إلى الصفاء وراحة البال.
العيد في الرمز العام يدل على الفرح والتجمع وصلة الرحم والكرم والتجدد، وفيه انقضاء مرحلة وبداية أخرى. والصلح في المنام يرمز في الغالب إلى حاجة داخلية إلى إنهاء توتر أو طي صفحة مثقلة. فإذا اجتمع الصلح والعيد في مشهد واحد فقد يعكس ذلك رغبة الرائي في أن تبدأ أيامه الجديدة بقلب خفيف خالٍ من ثقل الخصومات. والخصام نفسه قد يكون رمزًا لتعارض داخلي بين رأيين أو شعورين في نفس الرائي. وكل ذلك قراءة عامة لا جزم فيها.
ومن الإنصاف ألا يُحمَّل هذا المشهد أكثر مما يحتمل، فهو صورة من صور العيد في الذاكرة، وتتفاوت دلالته بتفاوت أحوال الناس وما يشغل خواطرهم. وقد يعبّر المشهد عن حاجة داخلية إلى السكينة والانتظام، أو عن شوق إلى أجواء مألوفة يرتاح إليها القلب، ولا يلزم من ذلك أن يكون له معنى أبعد من هذا. ويكفي أن يأخذ الرائي منها المعنى الطيب العام، وأن يترك ما سواه، مع حسن الظن بالله وعدم التعلق بالأحلام فوق ما تستحق.
وفي كتب التعبير المتداولة عن بعض المعبّرين أن الصلح بين الخصمين في المنام يدل في الغالب على السكينة والقرب بين القلوب. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى أن الأعياد ترتبط بالفرح واجتماع الأحبة، وأن ما يجري فيها من تصافح يرتبط بصفاء النفوس. ويختلف المعبّرون في تحديد الدلالة بحسب هوية الخصمين وحال الرائي، ولا يُجزم بنسبة كل قول إلى صاحبه تفصيلًا. فهي أقوال تُؤخذ للاستئناس والتأمل لا للقطع ولا للاعتماد عليها في الواقع.
يتغير أثر المشهد بحسب سياقه وما يرافقه من مشاعر. فإن كان الصلح هادئًا وفيه ابتسامات وتصافح فقد يعكس ذلك تعبًا من التوتر وحاجة إلى السكينة. وإن كان فيه تردد أو ثقل فقد يعكس صعوبة الرائي في التعبير عن مشاعره الحقيقية. وإن كان الرائي هو الساعي بين الطرفين فقد يشير ذلك إلى ميله إلى التهدئة وتقريب وجهات النظر. وهذه كلها صور نفسية لا تدل على حدث محدد يقع في اليقظة.
وللرائي أثر في الدلالة أيضًا. فمن كان في حياته على خلاف مع أحد المقربين قد يرى المنام انعكاسًا لما يشغل باله في اليقظة، وهو في الغالب انعكاس لما في النفس أكثر منه إشارة. ومن لم يكن في خصومة قط قد يكون المنام عنده صدى لمشهد سمعه أو شاهده. والأب أو الأم قد يتأثر منامهما بما يريدان أن يسود بين أولادهما من وئام. فالمعنى يُشتق من حياة صاحبه لا من قاعدة جاهزة لكل رائ.
وللتفاصيل رموز عامة يُستأنس بها. فالمصافحة والمعانقة في المنام ترمزان إلى زوال ثقل وإلى انفراج داخلي، والجلوس معًا على مائدة واحدة إلى الأنس وتقاسم الحال. والكلمات الطيبة المتبادلة ترمز إلى الرغبة في الإنصاف والتقدير، والباب المفتوح إلى الاستعداد للانفتاح. أما التعثر في الوصول إلى الطرف الآخر فقد يعكس ما في النفس من تردد. ولا تُنزَّل هذه الصور على أشخاص حقيقيين على أنها نبأ مؤكد.
ومن الناحية النفسية قد يكون المنام امتدادًا لتفكير الرائي المتكرر في خصومة قديمة أو في رغبته في تجاوزها. ومن المفيد أن يسأل نفسه عما يثقله فعلًا وما الذي يستطيع فعله بهدوء، كأن يكتب مشاعره أو يؤجل القرار إلى حين تصفو نفسه. ولا يُنتظر من المنام أن يحسم أمرًا في الواقع، فالعلاقات تحتاج إلى صبر وحوار وتقدير ظرف الطرف الآخر. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده الضيق فليتحدث إلى مختص أو إلى أحد أهله الموثوقين.
ويحسن بمن رأى هذا المشهد أن يتذكر أن راحة القلب مطلب في ذاته. فقد يهدأ الإنسان حين يعبّر عما في صدره بكلمات صادقة لا تجرح. والعيد فرصة تذكّر بأن الأيام تتجدد وأن للقلوب قدرة على أن تبدأ من جديد. غير أن ذلك لا يعني التسرع أو الإلحاح، فلكل علاقة إيقاعها. وهكذا يبقى أثر الرؤيا في حدود الإيحاء اللطيف.
وفي الختام فإن ما ورد هنا اجتهاد بشري ظني، ولا يُقطع فيه بشيء، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى ما يحب فليحمد الله وليحسن الظن به. ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). ويبقى الدعاء بالصفاء وحسن الظن بالله خير ما يُستقبل به كل يوم جديد.
