زيارة الأهل في العيد في المنام من الصور التي تحمل دفء البيوت المألوفة، ففيها طرق على الباب وأحضان وترحيب ومجالس تمتد بالحديث والضحك. ومن يراها قد يستيقظ بحنين إلى أسرته أو بطمأنينة تشبه الاستقرار. والأحلام في الأصل صور رمزية تتألف من الذاكرة والمشاعر والمشاهد، وليست أخبارًا قاطعة. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه)، لكن ذلك لا يعني أن كل منام يحمل خبرًا. وما يلي عرض للدلالات الرمزية المحتملة بلا جزم.
ورمزية زيارة الأهل في العيد تدور حول الألفة وصلة الرحم والدفء الأسري. فالأهل في الرؤى يرمزون إلى الجذور والأمان والانتماء، والزيارة تعبّر عن العودة إلى هذه المعاني بعد انشغال. وفي سياق العيد تتصل الصورة بمعاني الفرح والتجمع والكرم وتجدد الصلة، وبانقضاء مرحلة وبداية أخرى. وقد تعبّر في الحلم عن شوق الرائي إلى أهله، أو عن رغبته في ترميم ما فترت صلته به. وهي في مجملها صورة نفسية تميل إلى الحنان.
وقال الله تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ﴾ (سورة الإسراء، الآية 26). وفي هذا ما يذكّر بعناية الإسلام بالأقارب وبمكانتهم في حياة الإنسان. وهي آية عامة في معنى الإحسان إلى ذوي القربى، وليست تفسيرًا لحلم محدد ولا اتهامًا لأحد بتقصير. ويكفي أن يُستحضر منها أن العناية بالأهل قيمة كبيرة في الحياة.
وذكر بعض المعبّرين فيما يُتداول من كلامهم أن الأهل في المنام يُقرأ حالهم بحسب هيئتهم وما يجري معهم، وأن اللقاء بهم في جو طيب يميل إلى معاني الألفة والأنس. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى نحو ذلك مع تقييد بالسياق. وتتفاوت عبارات أهل التعبير، فلا يمكن الجزم بقول منها. والأنسب أن يؤخذ المعنى العام، وهو أن زيارة الأهل في العيد صورة للدفء وصلة الرحم.
ويتأثر المعنى بسياق الحلم. فإذا كانت الزيارة هادئة مرحبًا فيها، فقد تعبّر عن ارتياح واطمئنان إلى الجذور. وإذا ظهر البيت قديمًا أو تغيرت ملامحه، فقد يرمز إلى حنين إلى زمن مضى. وقد يطول الطريق إلى بيت الأهل أو يتعذر الوصول، فيكون ذلك أقرب إلى شوق أو قلق من البعد. والشعور بعد الاستيقاظ هو الأكثر دلالة على ما تحمله الصورة.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فالمغترب يرى في الزيارة تعبيرًا واضحًا عن اشتياقه إلى أسرته وبلده، والابن البالغ قد يرى فيها رغبة في برّ والديه والأنس بقربهما. والأم قد ترى اهتمامها بجمع أولادها بأهلها، والطفل يراها زيارة ممتلئة باللعب والحلوى. ومن كان بينه وبين أهله جفاء قد يعبّر الحلم عن رغبة داخلية في الصلح. وهذه كلها احتمالات تتأثر بحال الرائي.
وللتفاصيل رمزية مألوفة. فباب البيت المفتوح قد يرمز إلى القبول والترحيب، والمائدة في بيت الأهل قد ترمز إلى الكرم والاجتماع. وتقبيل اليد أو الجبين قد يرمز إلى الاحترام والمودة، وجلسة العائلة في الصالة قد ترمز إلى الأنس والاستقرار. والهدايا الصغيرة التي يحملها الزائر قد ترمز إلى الاهتمام، وغياب أحد الأقارب قد يعبّر عن شوق إليه. ولا يُجزم بمعنى واحد لأي تفصيل.
ومن الناحية النفسية قد يعبّر الحلم عن حاجة إلى الانتماء والأمان العاطفي، أو شوق إلى مرحلة كان الإنسان فيها أقرب إلى أهله. وقد يظهر عند من فرّقت بينهم الأعمال والمسافات فاستحضرت نفسه المشهد المألوف. ويمكن للرائي أن يتصل بأهله أو يخطط لزيارة قريبة إن أمكن ذلك. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن لازمه حزن أو قلق مستمر فليتحدث مع مختص أو أحد أهله.
ومن الجميل أن يتذكر الإنسان أن البيوت تحيا بزيارات الأحبة أكثر مما تحيا بزينة الجدران. فلقاء قصير صادق قد يترك في الأسرة أثرًا يبقى طويلًا. وإذا ترك الحلم في النفس شوقًا فليجعله الرائي دافعًا إلى صلة الأرحام بما يستطيع. وليس مطلوبًا أن يبحث عن معنى لكل شخص يظهر في الحلم. وكثيرًا ما يكون أجمل ما في العيد جلسة بسيطة في بيت الأهل، يتبادل فيها الكبار والصغار الحكايات والضحكات.
وفي الختام فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا. ويُدعى الله أن يجمع شمل الأسر على المودة وأن يرزق الجميع بر الأهل. وتبقى صلة الأرحام من أجمل ما تُعمَّر به الأيام.
