زيارة الأصدقاء في العيد في المنام من الصور الخفيفة على القلب، ففيها ضحك مشترك وذكريات قديمة ومجلس لا يشبه غيره في خفته وصدقه. ومن يراها قد يستيقظ بابتسامة أو بشوق إلى رفقة مضت أو ما زالت قريبة. والأحلام في أصلها صور رمزية تتكون من الذكريات والمشاعر والمشاهد، وليست أخبارًا يقينية. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، ولذلك يُنظر إليها بهدوء وتوازن. وما يلي عرض للدلالات الرمزية المحتملة بلا جزم.
ورمزية زيارة الأصدقاء تدور حول الأخوة والوفاء وتجدد الود. فالصديق في الرؤى يرمز إلى الأنس والسند والمرآة التي يرى فيها الإنسان نفسه بصدق. وفي سياق العيد تتصل الصورة بمعاني الفرح والتجمع والكرم وانقضاء مرحلة وبداية أخرى، إذ يلتقي الأصدقاء بعد انشغال فيجددون عهدهم. وقد تعبّر في الحلم عن شوق الرائي إلى رفقة تفهمه، أو عن رغبة في استعادة صداقة فترت. وهي صورة وجدانية دافئة.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (سورة الحجرات، الآية 10). وفي هذا ما يذكّر بقيمة الأخوة وبأن الكلمة الطيبة والسلام يقرّبان القلوب. وهي آية عامة، وليست تفسيرًا لرؤيا محددة ولا تُنزَّل على صداقة بذاتها. والرؤيا في أصلها صورة رمزية قابلة لأكثر من قراءة، ولا يمكن الجزم بواحدة منها.
وذكر بعض المعبّرين فيما يُتداول من كلامهم أن الأصدقاء في المنام يُقرأ حالهم بحسب هيئتهم وما يجري معهم، وأن اللقاء بهم في جو طيب يميل إلى معاني الأنس والمودة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى نحو ذلك مع ربط الدلالة بحال الرائي. وتتفاوت عبارات أهل التعبير، فلا يمكن الجزم بقول واحد. والأقرب أن يؤخذ المعنى العام، وهو أن زيارة الأصدقاء في العيد صورة للأخوة والوفاء.
ويتأثر المعنى بسياق الحلم. فإذا كان اللقاء مرحًا وفيه ضحك وحديث متصل، فقد يعبّر عن ارتياح ورغبة في الأنس. وإذا ظهر صديق غائب أو تعذر لقاؤه، فقد يعكس شوقًا أو ندمًا على انقطاع قديم. وقد يلتقي الرائي بأصدقاء من مراحل مختلفة في مجلس واحد، فيكون ذلك أقرب إلى جمع الذكريات في صورة واحدة. والشعور بعد الاستيقاظ هو الخيط الأهم لفهم الصورة.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فالشاب قد يرى فيها حنينًا إلى أيام الدراسة والرفقة، والموظف قد يرى فيها حاجة إلى فسحة من المرح بعيدًا عن ضغوط العمل. والمغترب قد يرى أصدقاء بلده القدامى فيشتاق إليهم، والأم قد ترى الصورة انعكاسًا لحاجتها إلى وقت لنفسها بين من تحب. وقد يرى كبير السن رفقة قديمة لم تبقَ إلا ذكراها. وكل ذلك قراءات نفسية مرنة.
وللتفاصيل رمزية مألوفة. فالضحك المتبادل قد يرمز إلى الصفاء والراحة، والمصافحة الطويلة قد ترمز إلى الاشتياق. والصور التذكارية قد ترمز إلى الرغبة في حفظ أوقات الأنس، والجلوس في مقهى أو في حديقة قد يرمز إلى الاسترخاء. وتبادل الهدايا الصغيرة قد يرمز إلى الوفاء، وتأخر أحد الأصدقاء عن الموعد قد يعبّر عن قلق عابر من التباعد. ولا يُجزم بمعنى واحد لأي تفصيل.
ومن الناحية النفسية قد يعبّر الحلم عن حاجة إلى الصحبة الصادقة، أو عن رغبة في تجديد علاقة أضعفها الانشغال. وقد يظهر عند من يمرون بمرحلة وحدة أو انتقال فيحنون إلى رفقة تعيد إليهم الأنس. ويمكن للرائي أن يتصل بصديق قديم أو يرتب لقاء قصيرًا، فهذا يخفف كثيرًا من ثقل الأيام. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمرت معه الوحدة أو الحزن فليتحدث مع مختص أو أحد أهله.
ومن اللطائف أن الصداقة الحقة لا تُقاس بكثرة اللقاءات بل بصدق الود عند اللقاء. فصديق يسأل عنك في العيد برسالة قصيرة قد يترك في القلب أثرًا أكبر من مجلس طويل. وإذا ترك الحلم أثرًا طيبًا فليكن حافزًا للمبادرة بالسلام والسؤال. وليس مطلوبًا أن يُحمَّل كل مشهد مرح في الحلم أكثر مما يحتمل. وكثيرًا ما تكفي رسالة قصيرة في صباح العيد لتعيد إلى الصداقة دفئها، فلا يحتاج الود إلى كلمات كثيرة ولا إلى مناسبات كبيرة.
وختامًا فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا. ويُدعى الله أن يرزق الجميع صحبة صالحة تدلهم على الخير. وتبقى الأخوة الصادقة من أثمن ما يُدّخر في القلوب.
