قد يرى الإنسان في منامه أنه يقضي يوم العيد بين الأطفال، يلعبون ويضحكون ويتباهون بثيابهم الجديدة وعيدياتهم. هذه الرؤيا رمزية في أصلها، وتفسيرها اجتهاد يتغير بتغير حال الرائي وما يحيط به. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وأن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه). فلا يُبنى على المشهد توقع بخبر أو حدث في الواقع، وإنما يُنظر إليه صورة تحمل معاني الصفاء والبهجة. والأطفال في المنام لا يدلون على أشخاص حقيقيين بالضرورة.
العيد في الرمز العام يدل على الفرح والتجمع وصلة الرحم والكرم والتجدد، وفيه انقضاء مرحلة وبداية أخرى. والأطفال في الرموز يعبّرون عن البراءة والبدايات والطاقة الصافية التي يحملها الإنسان في داخله. فإذا اجتمع الأطفال والعيد في مشهد واحد فقد يعكس ذلك شوقًا إلى الفرح البسيط الذي لا تثقله الهموم. وقد يكون في المشهد تذكير بما كان الرائي يشعر به في طفولته حين كان العيد أكبر الأحداث. وكل ذلك قراءة عامة لا جزم فيها.
ومما يناسب معنى الفرح الطيب قول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (سورة يونس، الآية 58). وفي الآية ما يذكّر بأن الفرح الذي يُحمد هو ما كان نابعًا من نعمة الله ورحمته، وهو معنى يظهر بوضوح في ابتسامات الأطفال. ولا تُنزَّل الآية على هذا الحلم كأنها تفسير مباشر له، وإنما هي تذكير عام بجمال السرور الصافي. وفي هذا ما يوجّه الرائي إلى تأمل ما يملأ قلبه من امتنان.
وفي كتب التعبير المتداولة عن بعض المعبّرين أن الأطفال في المنام يدلون في الغالب على الصفاء والسرور وربما على مسؤوليات جديدة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما يُتداول عنهم إلى أن الأعياد تدل على الفرح واجتماع الأحبة، وأن اللعب والضحك فيها يرتبطان بانشراح الصدر. ويختلف المعبّرون في تفصيل ذلك بحسب أحوال الرائي وما يراه، ولا يُجزم بنسبة كل قول إلى صاحبه تفصيلًا. فهي أقوال للاستئناس والتأمل لا للقطع.
يتغير أثر المشهد بحسب سياقه وما يرافقه من مشاعر. فإن كان الأطفال مرحين والجو هادئًا فقد يعكس ذلك ارتياحًا داخليًا ورغبة في صفاء الأيام. وإن كان بينهم صخب أو بكاء فقد يعكس ذلك انشغالًا بكثرة المطالب وتزاحم الأعباء. وإن كان الرائي يوزع عليهم الهدايا فقد يشير ذلك إلى ميل إلى العطاء وإدخال السرور. وهذه كلها قراءات احتمالية لا يُبنى عليها يقين، ولا تُربط بحدث في اليقظة.
وللرائي أثر في الدلالة، فمن كان أبًا أو أمًا قد يتأثر منامه بعادة العيد في بيته وبما يريد أن يغرسه في أولاده من بهجة وقيم. ومن لم يرزق بأطفال قد يرى المنام انعكاسًا لحنين إلى جو الأسرة أو لمشهد رآه في اليقظة. والشاب قد يعكس المنام عنده شوقًا إلى بساطة الطفولة، والمعلم قد يمزج المنام بما يعيشه كل يوم مع صغاره. ولا يُحمَّل المنام أكثر مما يحتمل من دلالة على أحوال حقيقية.
وللتفاصيل رموز عامة. فالثياب الجديدة للأطفال ترمز إلى التجدد وحسن استقبال المناسبة، والألعاب إلى الرغبة في الراحة والمرح. والعيدية ترمز إلى الكرم والمودة، والحلوى إلى الرغبة في إدخال السرور على الآخرين. وإن ضاع أحد الأطفال في المنام فقد يعكس ذلك قلقًا طبيعيًا من المسؤولية لا خبرًا بشيء. ولا تُفهم هذه الصور على أنها نذير أو بشارة.
ومن الناحية النفسية قد يكون المنام امتدادًا لتفكير الرائي في طفولته أو في أطفال يعرفهم، أو في تحضيراته لمناسبة قريبة. ومن المفيد أن يتأمل ما الذي يشتاق إليه في تلك الصور، وأن يحاول أن يمنح نفسه شيئًا منه في يومه كلعبة أو نزهة أو ضحكة مع قريب. وقد يجد في ذلك راحة تخفف عن كاهله. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده القلق أو الحزن فليتحدث إلى مختص أو إلى أحد أهله، فالمشاركة تخفف الأثقال.
ويحسن بمن رأى هذا المشهد أن يتذكر أن للفرح صورًا بسيطة قريبة، وأن وقتًا قصيرًا من الضحك مع طفل قد تحمل من الصفاء ما لا تحمله ترتيبات كثيرة. فالأطفال معلمون صامتون للتعلق بالحاضر وبما في اليد من نعمة. ويمكن للرائي أن يجعل من المنام باعثًا إلى مداعبة صغير أو الاطمئنان على أسرة جار. وهكذا يتحول الأثر إلى خير لطيف في المحيط القريب. ويبقى المنام في موضعه صورةً عابرة طيبة.
وفي الختام فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني، ولا يُقطع فيه بشيء، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى ما يحب فليحمد الله وليحسن الظن به. ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). ويبقى الدعاء بالخير وحسن الظن بالله خير ما يُستقبل به كل يوم جديد.
