قد يرى الإنسان في منامه فيلاً يقف أمامه كأنه يتذكره أو يتذكر شيئاً يخصه، أو يشعر في الحلم بأن الفيل يحمل ذكريات قديمة أو يستحضر حدثاً مضى. وربما استحضر الرائي وهو في الحلم ما يشاع بين الناس من أن الفيل لا ينسى، فاقترنت صورة الفيل عنده بالذاكرة والتذكر. وهذا الحلم مألوف عند من يمرون بحنين إلى الماضي أو بأمر قديم عاد يطرق بابهم. وتفسيره رمزي لا حرفي، ولا يقطع بخبر ولا يدل على حدث.
ومن المهم التنبيه إلى أن مقولة أن الفيل لا ينسى أبداً هي فكرة شعبية حديثة منتشرة بين الناس، وليست حقيقة علمية قاطعة يُعتمد عليها، وإنما هي تعبير مجازي عن ثبات الذاكرة وطولها. ومع ذلك فقد صارت هذه الفكرة جزءاً من الخيال الشعبي، وأصبحت الصورة تستدعي معاني التذكر والوفاء وطول البال. وهذا الاقتران الذهني هو ما يجعل الحلم يتجه عند كثيرين إلى معنى الذاكرة، ولا يخرج عن كونه رمزاً شخصياً.
وللفيل في الرموز التقليدية دلالات القوة والضخامة والثقل والمنزلة. ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفيل قد يدل على رجل ذي سلطان وجاه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يشير إلى أمور ثقيلة وأعباء جسيمة. ولم يُعرف عن هؤلاء المفسرين ربطه بالذاكرة على وجه صريح، وإنما هو معنى لاحق جاء من التصور الشعبي المعاصر. واختلف المفسرون في هذه الدلالات اختلافاً واسعاً، فيُنظر إلى الجميع على أنه اجتهاد.
ويتغير المعنى بتغير طبيعة التذكر في الحلم، فإن كان الفيل يستحضر ذكرى جميلة والرائي سعيد فالأقرب أنه رمز لحنين طيب ولوفاء لأيام مضت أو أشخاص أحبهم. وإن كان يستحضر ذكرى مؤلمة فقد يعبّر عن جرح قديم يطل في النفس ويحتاج إلى مداواة. وإن كان الفيل ينظر بصمت وكأنه يحفظ ما مرّ فقد يرمز إلى شعور الرائي بأن أعماله وأفعاله لا تضيع. ولا ينفصل ذلك عن حال القلب لحظة الحلم.
وللرجل الذي يرى هذا الحلم، قد يرتبط بذكريات عمل أو صداقة قديمة أو دَين من المعروف يتذكره. وللمرأة المتزوجة قد يتصل بأيام أسرتها الأولى وبما مرّ عليها من ذكريات. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن حنين إلى طفولتها أو إلى أشخاص رحلوا. وللحامل قد يكون صدى لاستعادة ذكريات الأمومة وأحاديث الأهل. وللتاجر قد يشير إلى تذكر وعود ومعاملات قديمة. وكلها احتمالات رمزية.
ومن التفاصيل المؤثرة: هل كان الفيل يحمل شيئاً يرمز إلى الماضي كصورة أو أثر قديم، وهل كان المكان مألوفاً من أيام مضت، وهل ظهر معه أشخاص من الماضي، وهل كان الرائي يتحدث معه أم ينظر فقط. وهل انتهى الحلم بشعور بالراحة أم بالحزن. فالراحة قد تدل على صفاء مع الماضي، والحزن على أمر يحتاج إلى مصالحة. وهذه التفاصيل تقرّب المعنى النفسي.
ومن الناحية النفسية، فإن الحلم قد يكون استجابة لموقف أيقظ الذكريات، كمقابلة صديق قديم أو زيارة مكان أو سماع قصة. والنفس حين تتذكر تحتاج إلى أن تُحسن التعامل مع ما تذكره، فتأخذ منه العبرة وتطوي ما لا نفع في استحضاره. وقد يكون الحلم دعوة إلى الوفاء لمن كان له فضل علينا، وإلى سؤال عن حال من انقطعنا عنهم. وهذا من الأخلاق الجميلة.
ومما ينبغي الانتباه إليه أن الذاكرة الطويلة نعمة ونقمة معاً، فمن حفظ الجميل ثبت على الوفاء، ومن حفظ الإساءة تعب قلبه. وفي الحلم تذكير لطيف بأن نحمل في ذاكرتنا ما يعمّر القلب من المعروف، ونتخفف مما يثقله من الأحقاد. والعفو والصفح من أجمل ما يهذب النفس، وهو من الخلق الذي يُرغَّب فيه عموماً.
ويحسن أن يستثمر الرائي هذا الحلم في أعمال طيبة، كزيارة رحم أو اتصال بصديق قديم أو دعاء لمن رحل، فالذكرى التي تتحول إلى عمل صالح تصير نعمة. وإن كان في الذكرى ألم فليقابله بالصبر والدعاء وبالحديث مع من يثق به. وليس في ذلك شيء مما يلزمه الحلم، وإنما هو حسن تدبير.
وقد يرى بعضهم في الحلم تنبيهاً إلى أن الإنسان مسؤول عما يفعل، وأن الأعمال محفوظة عند الله لا تضيع، فيزداد حرصاً على الصدق وإحسان العمل. وهذا معنى إيماني عام يُؤخذ من غير هذا الحلم أيضاً، ولا يُجعل تأويلاً قاطعاً له. والله أعلم بما في الصدور.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يُعتمد عليه في أي قرار حقيقي، وليس مقولة الذاكرة حقيقة علمية يُستند إليها هنا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم قد يكون من حديث النفس وبقايا النهار. فلنقابل الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، ونسأله أن يحفظ لنا الخير في ذاكرتنا وأن ينسينا ما يؤذي قلوبنا.
