قد يرى الإنسان في منامه فيلاً يسير ببطء وهدوء لا يتعجل ولا يضطرب، أو يقف ساكناً ينتظر طويلاً دون ضجر، فيشعر الرائي بأن في هذا المشهد معنى الأناة والصبر. وهذا الحلم يتكرر عند من يمرون بفترة انتظار أو معاناة أو مثابرة على أمر طويل. ويترك في النفس سكينة خاصة لما فيه من وقار وثبات. وتفسيره رمزي لا حرفي، ولا يُعد خبراً بما سيكون، وإنما هو قراءة محتملة يتفاوت فيها أهل التأويل.
والصبر في الرموز يدل عند أهل التأويل على الثبات والاحتمال وحسن العاقبة لمن التزمه، وعلى طول الأناة في الأمور. والفيل أشهر الحيوانات بالوقار والهدوء وبطء الحركة، فهو من أنسب الصور لتجسيد الصبر في أذهان الناس. فإذا اجتمعت صورة الصبر فيه فقد يُقرأ أن الرائي يمر بمرحلة تحتاج إلى طول بال، أو أنه يتأمل فضل الأناة، أو أن في حياته أمراً ثقيلاً لا يُنجز إلا بالتدرج.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفيل قد يدل على رجل ذي سلطان وجاه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يشير إلى أمور ثقيلة وأعباء جسيمة. وعلى هذا قد يقرأ بعضهم الصبر المقترن بالفيل على أنه احتمال للأعباء الجسيمة بأناة. ولم يُعرف عن هؤلاء المفسرين نص صريح في هذا المعنى بعينه، واختلفوا في الدلالات عموماً، فتبقى هذه القراءات للتأمل لا للجزم.
ويتغير المعنى بتغير حال الفيل في صبره، فإذا كان ينتظر بطمأنينة وخرطومه مرتخٍ فالأقرب أنه رمز لانتظار هادئ يعقبه خير. وإن كان ينتظر بتعب وإرهاق فقد يعبّر عن حاجة إلى دعم وراحة. وإن كان يسير بثبات رغم عقبات فقد يرمز إلى مثابرة تؤتي ثمارها. وإن كان الرائي يصبر معه فقد يدل على أنه يتعلم من الموقف. ولمشاعر الرائي أثر في الترجيح.
وللرجل الذي يرى هذا الحلم، قد يرتبط بانتظار ترقية أو رزق أو نتيجة أو علاج يحتاج إلى وقت. وللمرأة المتزوجة قد يتصل بالصبر على شؤون بيتها وتربية أبنائها وما فيها من طول معاناة. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن انتظار نصيب أو دراسة أو عمل مناسب. وللحامل قد يكون صدى لأشهر الانتظار وما فيها من تعب وأمل. وللتاجر قد يشير إلى صبر على سوق راكد أو دَين مؤجل. وكلها احتمالات رمزية.
ومن التفاصيل المؤثرة: هل كان الفيل يتحمل شمساً أو مطراً أو غباراً، وهل كان وحيداً في انتظاره أم مع جماعته، وهل كان يأكل أو يشرب أو يرتاح، وهل كان في الأفق ما يوحي بقرب الفرج كشجرة ظليلة أو ماء. فوجود الماء والظل قد يرمز عند بعضهم إلى قرب الفرج. وهل ظهر على الفيل رضا أم تململ. وهذه التفاصيل تعين على اتجاه القراءة.
ومن الناحية النفسية، فإن الحلم يعكس غالباً حاجة النفس إلى الصبر أو اكتسابها له. فمن مرّ بتأخير أو بطء في تحقق أمر مهم قد يستحضر في نومه صورة الصبر المتجسد. وهو دعوة إلى الاستمرار دون يأس، وإلى تقدير أن كثيراً من الإنجازات الكبرى تأتي بعد صبر طويل. ومن أحسن إدارة انتظاره بالعمل والدعاء خفّ عليه الوقت.
ومما يلطف المعنى أن الصبر ليس سلبية ولا جموداً، فالفيل الصابر يسير نحو غايته ولو ببطء، ويتحمل ما يلزم ولا يتوقف. وكذلك الصبر المحمود هو الذي يقترن بالعمل والأخذ بالأسباب. وهذا من أجمل ما يُستأنس به من الحلم، وهو معنى معروف في الثقافة الإسلامية العامة لا يتوقف عليه.
ويحسن بمن رأى هذا الحلم أن يحدد ما يصبر عليه، فيفرق بين ما يستحق الصبر وما ينبغي تغييره. فالصبر على الأذى الذي يمكن رفعه ليس مطلوباً، والصبر على ما لا حيلة فيه محمود. وأن يستعين بالصلاة والذكر وبالصحبة الصالحة، فإنها تعين على طول النفس.
وقد يرى بعضهم في الحلم بشرى بقرب الفرج بعد ضيق، وهو معنى لطيف يُرجى من الله ولا يُجزم به. فالفرج بيد الله، يأتي في وقته الذي يعلمه. ومن لزم الصبر والرضا مع الأخذ بالأسباب وجد في قلبه من السكينة ما لا يوصف.
وإذا كان الرائي ممن يمرون بمرض أو ابتلاء طويل، فقد يحمل الحلم معنى مواساة، كأن الفيل الصابر يذكّره بأن الاحتمال له ثمرة وأن الله مع الصابرين بالتيسير والعون. ويحسن أن يجمع بين الأخذ بالعلاج وحسن الظن بالله، وأن يطلب من أهله وأصدقائه الدعاء والمؤانسة. ولا شيء أنفع للقلب المتعب من كلمة طيبة وصحبة صادقة، ومن ذكر الله الذي تطمئن به القلوب.
وللطالب أو الموظف الذي ينتظر نتيجة، قد يكون الحلم دعوة إلى مواصلة الجد والهدوء، وعدم تعليق الراحة بالنتيجة وحدها. فكثير من الأمور تأتي في وقتها المقدر بعد السعي. وللأم التي تنتظر عودة غائب أو شفاء مريض أن تدعو وتصبر، وأن تثق بحكمة الله ورحمته.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يُعتمد عليه في أي قرار حقيقي. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم قد يكون من حديث النفس وبقايا اليوم. فلنقابل الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، ونسأله أن يرزقنا صبراً جميلاً وفرجاً قريباً ويثبّتنا على الخير.
