قد يرى الإنسان في منامه أنه يشتري فيلاً، فيدفع ثمنه ويتسلمه ويقف أمامه مأخوذاً بضخامته وبما حمّل نفسه من أمر عظيم. وهو حلم غير مألوف، وقد يترك في النفس شعوراً بالفخر أو بالقلق من ثقل ما اشتراه. ومن المهم أن يُنظر إليه نظرة رمزية لا حرفية، فالشراء في الأحلام كثيراً ما يرمز إلى التزام أو اختيار أو سعي إلى شيء. وما يُذكر هنا من تأويل اجتهاد قابل للخطأ يُقال بلا جزم.
الفيل في الرموز العامة هو القوة والثقل والجاه والأمر العظيم، وهو في الوقت نفسه حيوان يحتاج إلى رعاية ومؤونة كبيرة. ولذلك يُقرأ شراؤه في المنام على أنه تحمّل مسؤولية كبيرة بإرادة صاحبها، أو سعي إلى مكانة أو نفوذ أو مشروع ضخم. وقد يرمز إلى استثمار عظيم في أمر يتطلب صبراً ومالاً وجهداً، أو إلى ارتباط بجهة قوية. وقد يعبّر أيضاً عن تطلع الرائي إلى أن يملك أسباب القوة والاستقرار.
نُسب إلى ابن سيرين أن الفيل يدل على رجل عظيم السلطان وصاحب مال وجاه، وأن من ملك فيلاً في المنام نال صحبة مثل ذلك أو انتفع بشأنه. وذهب بعض المفسرين إلى أن اقتناء الدابة الكبيرة يدل على مال وفير ومنزلة مع مؤونة ثقيلة، فهي نعمة تحتاج إلى قيام بحقها. واختلف أهل التأويل في هذا، فمنهم من غلّب جانب المنفعة ومنهم من غلّب جانب الأعباء. فلا يُقطع بأحدهما، وإنما تُنقل الأقوال للعلم بها.
وتتحدد الدلالة بتفاصيل الشراء، فإن كان الثمن معقولاً والصفقة واضحة والرائي مطمئناً، فذلك أقرب إلى معاني حسن التدبير وبلوغ أمر مرغوب بتخطيط. وإن كان الثمن باهظاً والرائي متردداً، فقد يعبّر عن خوف من التزام يفوق طاقته. ويؤثر في الفهم حال الفيل، أهو سليم هادئ أم مضطرب، وهل اشتراه من شخص معروف أم مجهول، وهل تسلمه بسهولة أم بعسر. وشعور الرائي بعد الشراء، أفرح هو أم قلق، من أهم القرائن.
وللرجل الذي يفكر في مشروع كبير أو تغيير عمل أو توسيع تجارة، قد يكون الحلم انعكاساً لهذا التفكير، وصورة لما يتطلبه من التزام ومؤونة. وقد يدعوه إلى حساب النفقات والأرباح جيداً قبل الإقدام، وإلى الاستشارة والتروي. وللتاجر قد يشير إلى صفقة كبيرة أو رأس مال مرتبط بأمر ضخم، ويُنبّه إلى الحذر من الديون المرهقة. وليس الحلم قراراً ولا نصيحة مالية، وإنما هو رمز يستدعي التفكير.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الحلم عن تطلعها إلى أمر كبير تحمله على عاتقها كدراسة أو عمل أو التزام عائلي. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى رغبتها في توفير سند قوي لأسرتها، أو إلى انشغالها بتجهيز بيتها بالأساسيات الكبيرة. وللحامل قد يكون صورة لاستعدادها لقدوم مولود وما يتطلبه من تحضير ونفقات ومسؤولية. وهي كلها قراءات احتمالية.
ومن التفاصيل التي تعين على الفهم: هل اشتراه الرائي لنفسه أم لغيره، وهل كان الشراء في سوق أم في بيت، وهل أبدى الفيل ألفة بعد الشراء، وهل كان معه من يعينه في رعايته. فالشراء لغيره قد يدل على حرص على نفع الآخرين، والألفة تدل على أن الأمر سيستقر ويسهل. ووجود المعين يدل على وجود دعم في تحمل المسؤولية. وإن تبين له بعد الشراء أن الفيل لا يناسبه فقد ينبهه إلى ضرورة التأني في اختياراته.
ومن الجانب النفسي، قد يعكس الحلم رغبة في القوة أو الأمان أو الاستقلال، أو انشغالاً بحجم الالتزامات التي نحملها. وخير ما يُستفاد منه أن نزن الأمور بميزان القدرة، فلا نتحمل ما يفوق طاقتنا، ولا نقدم على أمر عظيم إلا بعد دراسة واستخارة وشورى. وأن نتذكر أن كل نعمة كبيرة تستلزم شكراً وقياماً بحقها. وهذه معانٍ تربوية جميلة.
وقد ينتفع الرائي بالحلم بأن يراجع ميزانيته وأولوياته، فيكتب ما يملك وما يحتاج وما يرغب فيه، ويفصل بين الحاجات والأماني. فالعقل الباطن كثيراً ما يكبّر رغباتنا في صور عظيمة كي نلتفت إليها. وعندما نواجهها بالتنظيم والهدوء تهدأ وتتحول إلى خطط واقعية. وبهذا يتحول الحلم من مجرد صورة إلى دافع لتنظيم الحياة.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر في هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، ولا يجوز أن يكون أساساً لقرار حقيقي في شراء أو استثمار أو التزام مالي. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرزق بيده سبحانه. فليكثر الرائي من الدعاء وحسن الظن بربه، وليسأله البركة والتوفيق في ما يحتاجه. ثم ليأخذ بالأسباب المشروعة مطمئناً.
