من الأحلام الشائعة أن يرى الإنسان فيلاً ضخماً يسير خلفه بخطى ثقيلة، فيحاول الإسراع وهو يشعر بوقع الأرض تحت قدميه. وقد يستيقظ وفي صدره خفقان وفي ذهنه سؤال عن معنى ما رأى. وهذا الحلم كغيره من أحلام المطاردة يعكس في الغالب حالة نفسية أكثر مما يعكس واقعاً، وهو مألوف بين الناس في فترات الضغط. وتفسيره رمزي لا حرفي، فلا يدل على أذى حقيقي، وإنما يُقرأ بهدوء على سبيل الاجتهاد.
والمطاردة في الرموز تدل عند أهل التأويل على أمر يلاحق صاحبه، كمسؤولية أو دين أو هم أو فكرة ملحة، وقد تدل على الهروب من مواجهة. والفيل يدل على القوة والثقل والمنزلة والأمر الجسيم. فإذا اجتمعا فقد يُقرأ أن أمراً كبيراً يلاحق الرائي في أيامه، فيشعر أنه خلفه أينما اتجه. وهو في الغالب أمر مألوف: عمل متراكم، أو التزام مؤجل، أو قرار ينتظر.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفيل قد يدل على رجل ذي سلطان وأمر عظيم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يشير إلى أمور ثقيلة وأعباء جسيمة. وعلى هذا قد يقرأ بعضهم ملاحقته على أنها أمر عظيم يطلب صاحبه أو شأن ثقيل يتتبعه. ولكن المفسرين اختلفوا في تأويل أحلام المطاردة اختلافاً كبيراً، ولم يتفقوا على معنى بعينه، فتُذكر هذه الآراء للتأمل لا للجزم.
ويتغير المعنى بتغير سرعة الفيل وسلوك الرائي، فإن كان الفيل يسير بخطى بطيئة والرائي قادراً على الابتعاد فقد يُقرأ ذلك على أن الأمر الثقيل ليس بذلك الإلحاح الذي يُظن. وإن كان قريباً جداً فقد يعبّر عن ضغط شديد يحتاج إلى معالجة. وإن توقف الفيل أخيراً فقد يدل على انتهاء الضغط. وإن استدار الرائي فواجهه فتغير شعوره فقد يرمز إلى قدرة على مواجهة ما يخيف.
وللرجل الذي يرى هذا الحلم، قد يرتبط بأعباء عمل أو التزامات مالية يتهرب منها. وللمرأة المتزوجة قد يتصل بمسؤوليات متراكمة في بيتها وأسرتها. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن قرار مصيري مؤجل. وللحامل قد يكون صدى لقلق الولادة وما يتبعها، وهو قلق مفهوم تخف حدته بالدعاء والدعم. وللتاجر قد يشير إلى التزامات وسداد مؤجل. وكلها احتمالات رمزية لا يجزم بها.
ومن التفاصيل المؤثرة: أين كانت المطاردة، في شارع أم حقل أم بيت، وهل كان الفيل غاضباً أم يمشي بهدوء كأنه يتبعك فقط، وهل كان خلفك أحد يساعدك، وهل استطعت الاختباء. وهل شعرت بأن الفيل لا يريد أذى. فقد تكون المطاردة في الحلم رمزاً لمتابعة أو اهتمام، لا لعدوان. وتأمل الشعور الذي صاحب الحلم أدق من تأمل الحركة نفسها.
ومن الناحية النفسية، فإن حلم المطاردة من أكثر الأحلام ارتباطاً بالتوتر والتأجيل. فالنفس تحول الأمر الذي نتجنبه إلى كائن ضخم يتبعنا. وأفضل ما يُفعل بعد ذلك هو تسمية ما نهرب منه والتعامل معه بخطوات صغيرة. فمن واجه ما يخشاه تدريجياً وجده أصغر مما تصوره، ومن طلب العون ممن يثق به خفّ حمله.
ويحسن بالرائي أن يطمئن نفسه بأن الحلم لا يدل على أذى، فالفيل في الواقع حيوان وقور، والأحلام تلبس القلق ثوب الضخامة. فإن بقي الخوف في صدره فليذكر الله وليتوضأ وليتحدث مع أهله بما يريحه. والمسلم له من الأذكار قبل النوم ما يهيئ له سكينة وأحلاماً أهدأ. وهذا من أنفع ما يُنصح به.
وقد يتأمل بعضهم أن الملاحقة قد تحمل وجهاً آخر هو الاهتمام الكبير بك من جهة قوية، كأن يطلبك أمر عظيم لتتولاه، وهذا احتمال يُذكر من باب التوسع لا الترجيح. وكل ذلك داخل في باب الظن، والخير أن يأخذ الإنسان من الحلم ما يدفعه إلى التنظيم والمواجهة الهادئة.
وإذا كان الرائي طالباً مقبلاً على امتحان أو شخصاً مقبلاً على مقابلة، فالأرجح أن الحلم تعبير مباشر عن توتر الانتظار، وأن الفيل ليس إلا صورة لثقل ما ينتظر. وفي هذه الحال ينفع أن يرتب وقته وأن ينام جيداً وأن يراجع ما يحتاج إليه بهدوء، فيخف شعور الملاحقة. وكل ما يخفف الضغط في اليقظة يخفف وقع الأحلام المزعجة في النوم، وهذه تجربة مألوفة عند كثير من الناس.
وللنساء المتزوجات اللاتي يُرهقهن عمل البيت وتربية الأطفال قد يكون الفيل رمزاً لهذه الأعباء التي تتبعهن أينما اتجهن، ولا يعني ذلك تقصيراً منهن بل عظم الحمل. فيحسن بهن طلب العون من أزواجهن وأهلهن، والتخفيف عن النفس بما يباح من الراحة. وللرجال قد يكون رمزاً للالتزامات والمواعيد التي تتراكم. والتنظيم الهادئ يخفف ذلك.
وفي الختام، فإن كل ما ورد اجتهاد بشري ظني لا يُعتمد عليه في أي قرار حقيقي، ولا ينبغي أن يزرع في القلب خوفاً. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم قد يكون من حديث النفس وبقايا اليوم. فلنقابل الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، ونسأله أن يكفينا همّ ما يشغلنا وأن يرزقنا السكينة والأمان.
