يرى كثير من الناس في منامهم طفلاً يقف أمام فيل ضخم، أو يلعب بالقرب منه، أو يمسك بخرطومه، وهو من المشاهد التي تتكرر في الأحلام لما فيها من الدهشة والتناقض بين صغر الطفل وعظم الحيوان. وقد يكون الرائي هو الطفل نفسه، وقد يكون أحد الوالدين يرى طفله إلى جانب فيل كبير. وينبغي أن نذكر من البداية أن تفسير الأحلام باب من الاجتهاد الرمزي، وأن ما يُقال فيه ليس حكماً قاطعاً ولا إخباراً عن واقع محتوم. فالصورة هنا رمز يحتمل أكثر من وجه، ويتغير معناه بحسب حال الرائي وما يحيط به من ظروف.
والفيل في عالم الرموز يُذكر عادة مع القوة الكبيرة والجسم العظيم، ومع الهيبة التي يشعر بها كل من يقف أمامه. وقد تحدث المفسرون عنه بوصفه رمزاً للشأن الثقيل والأمر الجليل، وللإنسان صاحب المكانة الذي يُحسب له حساب. كما يرتبط في أذهان الناس بالوقار وبطء الحركة وهدوء الطبع حين يكون مطمئناً. وهو في الوقت نفسه قوة يمكن أن تحمي من يقف في ظلها، ويمكن أن تُرهق من لا يحسن التعامل معها.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفيل قد يدل على رجل ذي سلطان أو صاحب جاه واسع، وأن الاقتراب منه قد يكون اقتراباً من منفعة أو من شأن عظيم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الفيل قد يشير إلى أمور ثقيلة ومسؤوليات جسيمة. غير أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل ذلك اختلافاً كبيراً، ولم يُجمعوا على قول واحد، وكل ما ذُكر إنما هو قراءة رآها بعضهم لا حكم يُلزم به أحد.
وإذا كان الرائي طفلاً صغيراً فالأقرب أن الحلم يعكس عالمه الخاص، فالفيل قد يمثل الأب أو الجد أو أي شخص كبير يشعر الطفل بقوته وحنانه. وقد يعبّر عن حاجة الطفل إلى من يحميه ويظلله، أو عن فضوله أمام ما يراه ضخماً ومدهشاً من الأشياء. وفي كثير من الأحيان يكون مصدر الحلم قصة سمعها أو صورة رآها في كتاب أو برنامج، فلا يحمل بالضرورة معنى بعيداً. ولذلك يحسن بالأهل ألا يحمّلوا الحلم أكثر مما يحتمل.
وإن كان الرائي أباً أو أماً يرى طفله إلى جانب فيل، فقد يُقرأ ذلك على أنه شعور بثقل مسؤولية التربية وعِظَم الأمانة التي بين يديه. وربما دلّ في بعض القراءات على أن الطفل سيجد من يسنده ويقف إلى جانبه من أهل الفضل والمكانة. وقد يكون الحلم انعكاساً لقلق الوالدين على مستقبل ولدهما وتمنيهم أن يحيط به ما يحميه. ويبقى كل ذلك رمزاً لا يُبنى عليه يقين.
وللحلم تفاصيل تغيّر معناه تغييراً واضحاً، فإذا كان الفيل هادئاً والطفل مطمئناً يلعب دون خوف، فالأقرب أنه رمز لطمأنينة وحماية وقرب من أهل الخير. وإذا كان الفيل غاضباً أو مضطرباً والطفل خائفاً، فقد يعبّر عن قلق من أمر كبير يفوق طاقة الصغير أو من موقف يحتاج إلى حكمة الكبار. وكذلك يختلف المعنى إن كان الفيل ضخماً جداً أو صغيراً، وإن كانت أنيابه ظاهرة أو لا، وإن كان في بيت أو في مكان مفتوح.
وقد تُقرأ الصورة عند بعضهم على أنها بشارة لطفل ينمو في كنف عائلة كريمة، أو يصير له شأن وذكر بين الناس إذا كبر. ويرى آخرون أنها تذكير للكبار بأن الصغير أمانة عظيمة، وأن عليهم أن يكونوا له سنداً قوياً رفيقاً بلا قسوة. وليس شيء من هذا مقطوعاً به، فهو ظن وتقدير يتوقف على حال الرائي وما في قلبه. والأولى أن ينظر الإنسان في ظروفه الواقعية قبل أن يتشبث بالرمز.
ومن الوجهة النفسية، فإن اجتماع الطفل والفيل في حلم واحد يعبّر في الغالب عن الإحساس بالفارق بين ما نملكه من قدرة وما نواجهه من مسؤولية. فالإنسان قد يشعر أحياناً بأنه صغير أمام عمل كبير أو أمام شخص ذي نفوذ، وهذا الشعور طبيعي ولا يعيب أحداً. وفي الحلم دعوة هادئة إلى التدرج وطلب العون من الأهل والأصدقاء، وإلى احترام من هم أكبر منا خبرة. وكل طفل يكبر خطوة بخطوة، وكل حمل عظيم يُحمل بصبر ومعاونة.
ومما يُنصح به أن يُنظر إلى الحلم بعين الاطمئنان، فلا يتحول إلى هاجس أو خوف على الطفل أو تشاؤم من أمر مقبل. وإن كان الرائي طفلاً فلا بأس أن يُطمأن بكلمات لطيفة، وأن يُذكَّر بأن الأحلام صور يراها النائم وتزول. وإن كان من الكبار فالأحسن أن يتعامل مع مسؤولياته بهدوء وتخطيط، وأن يحسن إلى من حوله ممن لهم قوة أو مكانة دون تكلف ولا خوف.
وهذا كله اجتهاد بشري ظني لا يُعتمد عليه في قرار حقيقي من قرارات الحياة، فلا يُبنى عليه زواج ولا سفر ولا عمل ولا مال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما نراه في المنام قد يكون من حديث النفس أو من بقايا ما رأيناه في يومنا. فالأولى أن يُقابَل الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يُسأل الله الخير للأبناء والأهل وأن يحفظهم ويبارك فيهم.
