قد يرى الإنسان في منامه جسراً يمتد فوق نهر أو وادٍ، ثم يشاهد فيلاً عظيماً يتقدم عليه بخطوات بطيئة ثقيلة، والجسر يهتز تحت وطأته أو يثبت بصلابة. وهذا المشهد يثير الترقب، لأن الناظر يتساءل هل سيصل الفيل بسلام أم لا. وهو حلم يتكرر عند من يمرون بمرحلة انتقال في حياتهم. وتفسيره رمزي لا حرفي، ولا يعدّ نذيراً ولا بشرى قاطعة، وإنما هو قراءة يتفاوت فيها المفسرون.
والجسر في الرموز يدل عند أهل التأويل على الانتقال والوصل بين حالين أو مكانين، وعلى الوسيلة التي يُعبر بها من ضيق إلى سعة، وقد يدل على سبب أو واسطة أو رجل يُتوصل به إلى أمر. والفيل يدل على القوة والثقل والمنزلة والأمر الجسيم. فإذا اجتمعا فقد يُقرأ أن أمراً ثقيلاً ينتقل من حال إلى أخرى، وأنه يحتاج إلى سبب متين يحمله في عبوره.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفيل قد يدل على رجل ذي سلطان وأمر عظيم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يشير إلى أمور ثقيلة وجسيمة. وعلى هذا قد يقرأ بعضهم عبوره الجسر على أنه انتقال ذلك الشأن العظيم بوسيلة أو واسطة أو سبب. ولكن المفسرين اختلفوا في تأويل هذه المشاهد المركبة، ولم يتفقوا على معنى بعينه، فتُؤخذ أقوالهم على سبيل التأمل.
ويتغير المعنى بتغير حال الجسر والفيل، فإذا كان الجسر قوياً ثابتاً والفيل يمر بسلام فالأقرب أنه رمز لعبور آمن من مرحلة إلى أخرى بتدبير محكم. وإن كان الجسر ضعيفاً متأرجحاً فقد يعبّر عن قلق من أن الوسيلة لا تحتمل ثقل الأمر. وإن توقف الفيل في منتصفه فقد يدل على تردد في منتصف الطريق. وإن وصل إلى الضفة الأخرى فقد يُقرأ ذلك على تحقق الانتقال بعد جهد.
وللرجل الذي يرى هذا الحلم، قد يرتبط بانتقال في عمله أو سكنه أو مسؤولياته يحتاج إلى جسر من العلاقات والخبرات. وللمرأة المتزوجة قد يتصل بتحول في شأن من شؤون أسرتها. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن عبور من مرحلة دراسية أو حياتية إلى أخرى. وللحامل قد يكون صدى لانتقال كبير تنتظره وهو الولادة وما بعدها. وللتاجر قد يشير إلى توسع في تجارته يحتاج إلى سند. وكلها قراءات احتمالية.
ومن التفاصيل المؤثرة: ما تحت الجسر، أهو ماء جارٍ أم وادٍ عميق أم طريق، فالماء الجاري قد يدل على الرزق أو الأيام المتقلبة. وهل كان للجسر حواجز تحمي، وهل كان الفيل وحده أم محملاً بشيء أو بأناس. وهل كان الرائي يعبر معه أم ينظر من الضفة. وهل سار الفيل بخطى واثقة أم متحسسة. فالخطى المتحسسة قد تدل على حكمة وحذر، وهي صفة حسنة في الأمور الثقيلة.
ومن الناحية النفسية، فإن حلم العبور يعكس غالباً شعوراً بالانتقال بين مرحلتين، والفيل يمثل الثقل الذي نحمله معنا في هذا الانتقال، من ذكريات ومسؤوليات وطموحات. والمطلوب في مثل هذه الأحوال هو التدرج والتأني، فلا نحمّل الجسر ما لا يطيق ولا نستعجل خطواتنا. ومن أحسن تقدير طاقته وبنى أسبابه بالمعرفة والمشورة وصل بإذن الله.
ويحسن أن يتأمل الرائي ما هو الجسر في حياته: أهو شخص يعتمد عليه، أم علم يتقنه، أم مال يدخره، أم صلة بأهل الفضل. فيحرص على تقويته وصيانته. فالجسور القوية تُبنى قبل الحاجة إليها، وكذلك علاقات الإنسان وأخلاقه. وفي ذلك دعوة إلى حسن الإعداد.
ومما يلطّف به المعنى أن الفيل رغم ضخامته معروف بحذره في المواضع الضيقة والمجهولة، فهو يختبر الأرض قبل أن يطأها. وكذلك العاقل في أموره الثقيلة يتثبت قبل أن يخطو. وهذا المعنى يُستأنس به ولا يُجزم، وقد يطمئن من أحس بثقل المسؤولية في عبوره.
وقد يعبّر الحلم لدى بعضهم عن رغبة في مرور أمر صعب بسلام، فيكون في ذلك دعاء ضمني. وخير ما يفعله من رأى ذلك أن يدعو الله أن ييسر له عبوره وأن يحفظ من يحب. فالدعاء عند الانتقال من أعظم ما يُطمئن به القلب.
وللمرأة الحامل على وجه الخصوص قد يحمل هذا الحلم صدى خاصاً، فهي في مرحلة انتقال عظيم من حال إلى حال، وتشعر بثقل لا يشعر به غيرها. وقد ترى الفيل على الجسر تعبيراً عن أنها تحمل ما يبدو عظيماً لكنها تعبر به بإذن الله. وينبغي لها أن تطمئن وتأخذ بما يوصي به الأطباء وأهل الخبرة، وأن تدعو بالتيسير. وكل ما ذُكر هنا رمزي لا يغني عن رعاية صحية ولا يدل على غيب.
وقد يلاحظ الرائي أن الجسر نفسه كان الأبرز في حلمه دون الفيل، فيكون التركيز على الوسيلة والسبب لا على الأمر الثقيل، ويكون المعنى أقرب إلى الاعتناء بما يوصل إلى الغاية. وقد يكون العكس، فيكون الفيل هو المهم، والجسر ظرفاً عابراً. والتفريق بين ذلك يعود إلى انطباع الرائي نفسه لحظة الاستيقاظ.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يُبنى عليه سفر ولا انتقال ولا قرار حقيقي. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم قد يكون من حديث النفس وأثر النهار. فلنقابل الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، ونسأله أن يسهّل لنا كل عبور ويثبّت خطانا على الخير.
