حين يرى النائم فيلاً يغمس خرطومه في الماء ويشرب منه بهدوء، فإنه يشاهد مشهداً من أبسط مشاهد الطبيعة وأكثرها سكينة. فالفيل يشرب كميات كبيرة من الماء كل يوم، ويقصد مواردها في حرّ الهاجرة ويقف عندها طويلاً. وقد يرى الرائي في المنام ماءً صافياً وفيلاً ساكناً يرتوي، فيخرج بانطباع الراحة والطمأنينة. وهذا كله قراءة رمزية لا تُحمل على ظاهرها، وهو تأمل في معانٍ لا إخبار بوقائع.
والماء في الأحلام عند كثير من المفسرين يرتبط بالحياة والرزق والعلم والخير، والشرب يرمز إلى الارتواء ونيل الحاجة وسدّ الخصاصة. فإذا كان الشارب فيلاً عظيماً فقد يُقرأ المشهد على أن حاجة كبيرة تُقضى، أو أن أمراً عظيماً يجد ما يغذيه، أو أن صاحب مكانة ينال ما يحتاج إليه من رزق أو راحة. ويرى بعضهم فيه صورة لحاجة الأقوياء كذلك إلى الموارد وإلى من يمدّهم بالعون.
ونُسب إلى بعض المفسرين القدامى أن الشرب من الماء الصافي يدل على الحياة الطيبة والنفع والعلم، وأن الفيل يدل على صاحب سلطان عظيم الشأن. وذهب بعضهم إلى أن اجتماعهما قد يشير إلى صاحب جاه ينال من رزقه ما يكفيه ويسعه. وقد اختلف أهل التعبير في دلالة الماء بحسب صفائه وكثرته، فلا ينبغي أن تُحمل هذه الأقوال على أنها فصل في الأمر.
ويتغير المعنى بحسب حال الماء ومصدره. فالماء الصافي الجاري يوحي بالخير والرزق الطيب، والماء العكر قد يوحي بأن الرزق يأتي مع شيء من التعب. والنهر الواسع يوحي بسعة الخير، والبركة الصغيرة بحدود يسيرة. وإن شرب الفيل بتأنٍّ فقد يعبّر عن قناعة، وإن شرب بنهم فقد يوحي بحاجة شديدة. وإن كان معه قطيع يشرب فالرزق مشترك، وإن كان وحده فهو خاص بصاحبه.
وللرجل قد يرتبط الحلم بحاجة مالية أو عملية تُقضى بعد انتظار، أو بسكينة تعقب عناء. وقد يكون في المنام دعوة إلى أن يرضى بما قسم الله له، وأن يطلب رزقه بالسعي المشروع. ومن كان في ضيق فقد يجد في المشهد بعض الأنس، دون أن يُحمل على أنه وعد بتغير الأحوال.
وللمرأة غير المتزوجة قد يشير المنام إلى ارتواء عاطفي أو معنوي تنشده، وللمتزوجة إلى كفاية البيت وسعته. وللحامل قد يرتبط بالعطش والحاجة الشديدة إلى الماء التي كثيراً ما تلازم الحمل، فيظهر المشهد في المنام بسبب ذلك. وهذه التفسيرات الجسدية أقرب في كثير من الأحيان من التفسيرات الرمزية.
وللتاجر قد يوحي الفيل الشارب بتجارة تجد ما تحتاج إليه من سيولة وموارد، أو بسوق تنتعش بعد جفاف. وقد يكون فيه تذكير بأن الموارد الكبيرة تحتاج إلى تدبير ومراقبة، فالفيل لا يترك مصدر الماء ولا يسرف فيه إذا ندر. ولا يُتخذ المنام أساساً لقرار، وإنما هو خاطر يُستأنس به.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كان الماء قريباً من الرائي أم بعيداً، وهل انتظر الفيل دوره في الشرب، وهل ترك بعد شربه ماء لغيره، وهل كان الجو حاراً أم معتدلاً. فانتظار الدور يوحي بالصبر، وترك الماء لغيره بالكرم، والحر الشديد بالحاجة الملحة. وهذه القرائن إنما يُستأنس بها ولا يُقطع بها.
وفي الجانب النفسي والعملي، يذكّرنا هذا الحلم بأن لكل قوي حاجته إلى ما يغذي قوته، وأن الإنسان لا يستغني عن ربه ولا عن عون الناس. وهو دعوة إلى الاعتدال في الأخذ، وإلى شكر النعمة، وإلى أن يتذكر المرء أن في أمواله وصحته وماله حقاً لغيره. وهو أيضاً تذكير بأن الارتواء الحقيقي في سكينة القلب لا في كثرة الأشياء وحدها.
وفي المنام كذلك معنى يتعلق بالعناية بالنفس، فمن أعطى جسده حقه من الماء والراحة قوي على عمله، ومن أهمل نفسه أرهقها. وهي رسالة عملية بسيطة قد تكون أنفع من أي تأويل بعيد، فيحسن أن يخرج منها الرائي بعزم على الاعتناء بصحته وبما يغذي روحه من ذكر وقراءة نافعة.
وقد يلاحظ الرائي أن مشهد الشرب يتكرر في الأحلام عند من يمرّ بفترة جفاف في عاطفته أو عمله أو علاقاته، فيكون الماء رمزاً لما يفتقده ويتمناه. وفي هذه الحال يكون الأولى أن يسأل نفسه عما ينقصه حقاً، وأن يسعى إلى سدّ هذا النقص بالوسائل المشروعة من صلة رحم وعمل صالح وطلب علم ودعاء. فالمنام قد يكون مرآة لحاجة داخلية أكثر منه رسالة من خارج، وفهمه على هذا الوجه أهدأ للقلب.
وختاماً فإن ما ذُكر من معانٍ هو اجتهاد بشري ظني لا يرقى إلى اليقين، ولا يصح أن يكون سبباً في قرار أو إقدام أو إحجام. فعلم الغيب عند الله وحده، وخير ما يفعله المسلم أن يحسن الظن بربه ويلجأ إليه بالدعاء ويأخذ بالأسباب. فمن رأى خيراً فليشكر، ومن رأى ما لا يرتاح له فليستعذ بالله وليتركه خلف ظهره مطمئناً.
