قد يرى الإنسان في منامه أنه يطعم فيلاً، فيقدم له الفاكهة أو الأعشاب أو الخبز بيده ويراه يتناولها بخرطومه برفق. وهو مشهد لطيف غريب، يجمع بين ضخامة الحيوان ولطف الفعل، وقد يترك في النفس شعوراً بالدفء والحنان. ولا بد من فهمه رمزياً لا حرفياً، فالإطعام في الأحلام يرمز عادة إلى العطاء والإنفاق والعناية بما نتولاه. وما نذكره هنا اجتهاد قابل للخطأ لا يُبنى عليه شيء.
الفيل في الرموز العامة هو القوة والثقل والجاه وصاحب النفوذ، وهو حيوان كثير الأكل يحتاج إلى مؤونة ضخمة. ولذلك يُقرأ إطعامه في المنام على أنه إنفاق على أمر عظيم أو قيام بحق ذي شأن، أو بذل جهد لإرضاء جهة قوية أو لتغذية مشروع كبير. وقد يرمز إلى سعي الرائي إلى كسب مودة صاحب جاه بالإحسان إليه، أو إلى رعايته أمراً يحتاج إلى مال وصبر. وهذه معانٍ تتغير بحسب حال الرائي وشعوره في الحلم.
نُسب إلى ابن سيرين أن الفيل يدل على رجل عظيم السلطان، وأن من أطعمه في المنام أنفق على مثل ذلك الرجل أو نال بذلك عنده مكانة. وذهب بعض المفسرين إلى أن إطعام الدابة الكبيرة يدل على نفقات كثيرة تعود بالنفع، أو على تعب في أمر عظيم يُرجى منه الخير. واختلف أهل التأويل في هذا، فمنهم من غلّب جانب الإحسان ومنهم من غلّب جانب الإنفاق المرهق. فلا يصح القطع بأحدهما، وإنما تُنقل الأقوال للعلم بها.
وتتحدد الدلالة بتفاصيل المشهد، فإذا أكل الفيل بشهية وهدوء وشكر الرائي بنظرة وديعة، فذلك أقرب إلى معاني قبول العطاء وحسن العاقبة. وإذا رفض الفيل الطعام أو كان الرائي لا يكفيه ما عنده، فقد يعبّر عن شعور بأن ما يقدمه لا يكفي أمراً يتطلب أكثر. ويؤثر في الفهم نوع الطعام، فالفاكهة قد توحي بالجمال والعطاء الطيب، والأعشاب بالبساطة والرزق الحلال، والخبز بالقوت الأساسي. ومشاعر الرائي أثناء الإطعام قرينة مهمة.
وللرجل الذي يعول أسرة كبيرة أو يدير مشروعاً أو يعتني بأقارب، قد يكون الحلم صورة لما ينفقه من مال وجهد، وتذكيراً بأن النفقة على من تحت يده عبادة تؤجر عليها. وقد يدعوه إلى الاعتدال وحسن التدبير حتى لا يرهق نفسه. وللتاجر قد يشير إلى حاجة مشروعه إلى تمويل مستمر أو إلى رعاية علاقته بعميل كبير، مع التنبيه إلى ضرورة التخطيط المالي الحكيم.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ الحلم على أنه حنانها ورغبتها في العطاء والرعاية، وربما تعلقها بشخص عظيم الشأن تتمنى إكرامه. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن إنفاقها وجهدها في إطعام الأسرة والعناية بالبيت وما فيه من أمانة كبيرة. وللحامل قد يكون صورة لما تتخيله من رعاية المولود وإطعامه، أو لشعورها بحاجتها إلى التغذية السليمة. وكلها قراءة لطيفة لا جزم فيها.
ومن الدقائق التي تحسّن الفهم: هل كان الطعام وفيراً أم قليلاً، وهل أطعمه الرائي بيده أم وضعه أمامه، وهل كان معه صغار الفيلة، وهل شبع الفيل وانصرف راضياً. فالوفرة تدل على سعة في العطاء، واليد تدل على اتصال مباشر ومودة، والصغار على أجواء الأسرة. وشبع الفيل ورضاه يدلان على أن الجهد لن يضيع. وإن بقي الفيل جائعاً فربما ينبه ذلك إلى ضرورة بذل مزيد من العناية بما نرعاه.
ومن الجانب النفسي، قد يعكس الحلم رغبة الرائي في العطاء والاعتناء بأمر يعتبره عظيماً في حياته، أو شعوره بأن ما يقدمه من جهد يذهب لمن لا يشبعه. وخير ما يُستفاد منه أن العطاء الصادق يرفع قدر صاحبه، وأن الإحسان إلى الناس من أعظم ما يملأ القلب سكينة. وأن يتعلم الإنسان الاعتدال في الإنفاق، فلا يبخل ولا يسرف. وأن يعتني بمن يحتاج إلى رعايته ولا ينتظر شكراً.
وقد يجد الرائي في الحلم تذكيراً بأن الإنسان مستخلف في رعاية ما بين يديه من مال ووقت وأهل، وأن لكل أمر حقاً يُؤدى. فمن الحسن أن يخصص جزءاً من ماله لصدقة منتظمة ولو كانت صغيرة، وأن يطعم محتاجاً أو يهدي جاراً. وهذه الأعمال تجلب البركة وتطهر القلب من الشح. ولا يعني الحلم ذلك بذاته، لكنه فرصة لتذكر هذه المعاني.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر في تأويل هذا الحلم اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في إنفاق أو استثمار. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرزق بيده سبحانه. فليحسن الرائي الظن بربه، وليكثر من الدعاء بالبركة والتوفيق. ثم ليأخذ بالأسباب المشروعة، مطمئناً راضياً.
