يرى بعض الناس في منامهم فيلاً عظيماً يسير في وضح النهار تحت شمس ساطعة، فتبدو تفاصيله جلية من أنياب وأذنين كبيرتين وجلد متغضن، ويراه كل من حوله. وهذه الصورة تختلف عن الظلام والليل بما فيها من وضوح وانكشاف، فلا غموض فيها ولا التباس في الرؤية. وقد يصحب الحلم إحساس بالألفة أو بالمهابة بحسب موقف الرائي. وتفسيره رمزي لا حرفي، ولا يخبر بغيب ولا يقطع بحدث.
والنهار في الرموز يدل عند أهل التأويل على الوضوح والظهور والعمل والسعي، وعلى ما يجري أمام الناس بلا خفاء. والفيل يدل على القوة والثقل والمنزلة والأمر الجسيم. فإذا اجتمعا فقد يُقرأ أن أمراً عظيماً أو شخصاً ذا مكانة صار ظاهراً في حياة الرائي، يعرفه ويراه بوضوح. وقد يعبّر الحلم عن مسؤولية كبيرة صارت معلنة أمام الناس، أو عن مكانة يُنظر إليها بتقدير.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفيل قد يدل على رجل ذي سلطان وجاه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يشير إلى أمور ثقيلة وأعباء جسيمة. وعلى هذا قد يقرأ بعضهم رؤيته نهاراً على أن الشأن العظيم بات معلوماً بيّناً غير خفي. إلا أن المفسرين اختلفوا في تأثير الزمان في تأويل الرؤيا، ولم يتفقوا على قاعدة ثابتة، فتبقى هذه الأقوال للتأمل لا للحكم.
ويتغير المعنى بتغير حال الفيل والمكان، فإذا كان يسير هادئاً في طريق يعرفه الناس فالأقرب أنه رمز لأمر كبير مستقر معلوم لا يُخشى منه. وإن كان يثير ضجة في السوق فقد يعبّر عن موقف عام يلفت الأنظار. وإن كان الناس يتجمعون حوله فقد يدل على أمر مشترك يهم الجماعة. وإن كان وحيداً في أرض مفتوحة فقد يرمز إلى قوة قائمة بذاتها. ولشعور الرائي أثر واضح في الترجيح.
وللرجل الذي يرى هذا الحلم، قد يرتبط بعمل ظاهر أو مسؤولية معلنة أمام زملائه وأهله. وللمرأة المتزوجة قد يتصل بأمر أسري صار مكشوفاً ومعروفاً. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن خطوة مهمة صارت واضحة أمامها. وللحامل قد يكون صدى لاقتراب موعد معلوم تترقبه. وللتاجر قد يشير إلى صفقة معلنة أو سمعة ظاهرة في السوق. وكلها احتمالات رمزية.
ومن التفاصيل المؤثرة: هل كانت الشمس حارة محرقة أم دافئة لطيفة، فالحارة قد ترمز إلى شدة وإلحاح والدافئة إلى سرور. وهل كان الفيل نظيفاً أم مغبراً، وهل كان عليه ما يحمله من زينة أو أحمال، وهل كانت الأنياب بارزة. وهل كان للفيل ظل واضح، فالظل قد يدل على أثر الأمر العظيم على غيره. وهل كان الرائي واقفاً في الظل أم في الشمس. هذه التفاصيل تعين على تقريب المعنى.
ومن الناحية النفسية، فإن مشهد الفيل في النهار قد يكون انعكاساً لشعور الرائي بأن أمراً كبيراً صار لا يمكن تجاهله، كأنه واقف في وسط الطريق. وقد يكون دعوة إلى مواجهته بالوضوح والصدق بدل الهروب منه. فالأمور الكبيرة تتضاءل حين تُنظر في ضوء النهار وتُعالج بالمصارحة. ومن واجه ما يهمه بهدوء وجد أن ثقله أخف مما تخيل.
ويحسن أن ينتبه الرائي إلى أن الظهور والوضوح في الحلم لا يعني بالضرورة أن الأمر مقدر أو قريب الحدوث، فالأحلام صور داخلية ولو بدت حسية. ومن حسن الأدب مع النفس ألا تُحمَّل أكثر مما تطيق من الظنون. فإذا رأى ما يسره فليحمد الله، وإذا رأى ما يقلقه فليعرض عنه وليستعذ بالله.
وقد يرى بعضهم في الفيل النهاري رمزاً لنعمة ظاهرة أو منزلة معلنة يشكر الله عليها. فمن أنعم الله عليه بقوة أو علم أو مال فلا ينبغي أن يخفي شكر ذلك بل يظهره بحسن التعامل وبذل الخير. وفي ذلك معنى لطيف يربط بين الوضوح والشكر. وهو من باب الاعتبار الحسن.
ومن لطائف التأمل في الصورة أن الفيل في النهار يمشي بين الناس بخطوة واثقة لا يخفي نفسه ولا يتصنع، فكأن في ذلك درساً في الصدق والبساطة. فكل ما يحمله الإنسان من مسؤوليات حين يؤديه بصدق يكتسب هيبة طبيعية دون تكلف. ولا يحتاج صاحب الحق إلى رفع الصوت ليُحترم.
وإذا تكرر هذا الحلم عند الرائي في أيام مختلفة، فقد يكون ذلك دليلاً على أن في حياته أمراً كبيراً يشغله ولم يجد له مكاناً في وعيه، فيطرق باب النوم ليُنظر فيه. والأفضل حينئذ أن يجلس مع نفسه في ضوء النهار فيسميه بصراحة ويضع له خطة هادئة. فالأمر الذي يُسمّى يُعرف، والذي يُعرف يهون. وفي هذا المعنى النفسي ما يغني كثيراً عن البحث في كتب التأويل، وهو مع ذلك لا يخالف شيئاً من الأدب الشرعي.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يُعتمد عليه في أي قرار حقيقي. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما نراه في المنام قد يكون من حديث النفس وانطباعات اليوم. فلنقابل الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، ونسأله أن يجعل أعمالنا ظاهرة بالخير وخفية عن كل سوء.
