يرى بعض الناس في منامهم فيلاً ضخماً يسبح في البحر أو يخوض في الماء العميق، فيبرز خرطومه فوق السطح كأنه يتنفس، وتتلاطم الأمواج حول جسمه. وهذا المشهد غير مألوف في الواقع، فالفيل يسبح لكن البحر ليس بيئته المعتادة، فتتحرك في النفس أسئلة عن معناه. ويكثر هذا الحلم عند من يمرون بأحوال متقلبة. وتفسيره رمزي لا حرفي، ولا يدل على حدث بعينه، وإنما هو قراءة لدلالة الصورة كما ذكرها أهل التأويل.
والبحر في الرموز يدل على الأحوال المتغيرة، وعلى الاتساع والعمق والأسرار وعلى صاحب السلطان أحياناً عند بعض المفسرين. والفيل يدل على القوة والثقل والمنزلة. فإذا اجتمعا فقد يُقرأ أن أمراً ثقيلاً يخوض في أحوال متقلبة، أو أن صاحب شأن عظيم يتعامل مع بحر من الأمور الواسعة. وقد يعبّر المشهد أيضاً عن شعور الرائي بأنه يحمل حملاً كبيراً وسط تيار لا يملك السيطرة عليه.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفيل قد يدل على رجل ذي سلطان وجاه، وأن البحر قد يدل على سلطان أو أمر عظيم الاتساع. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الفيل قد يشير إلى أمور ثقيلة. وفي ضوء ذلك قد يقرأ بعضهم اجتماعهما على أنه شأن ثقيل في مجال واسع الأحوال. غير أن المفسرين اختلفوا كثيراً في تفاصيل ذلك، ولا يوجد قول جامع، فهي آراء تُروى للتأمل.
ويختلف المعنى باختلاف حال البحر وحال الفيل، فإذا كان البحر هادئاً والفيل يسبح بسهولة فقد يدل على قدرة على التعامل مع الأحوال المتقلبة بثبات. وإن كان البحر هائجاً والفيل يصارع الموج فقد يعبّر عن جهد كبير وسط ظروف صعبة. وإن كان الفيل يغرق فقد يُفهم أنه شعور بالإرهاق من ثقل الأعباء. أما إن وصل إلى الشاطئ سالماً فقد يُقرأ أنه انفراج بعد مشقة.
وللرجل الذي يرى هذا الحلم، قد يرتبط بعمل كبير في أحوال غير مستقرة أو سفر ثقيل. وللمرأة المتزوجة قد يتصل بأحوال أسرية متقلبة تحمل همها. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن مرحلة انتقال غير واضحة المعالم. وللحامل قد يكون صدى لتقلب المشاعر وثقل الجسد في هذه الأيام. وللتاجر قد يشير إلى تجارة كبيرة وسط سوق متغير. وكلها احتمالات رمزية لا يجزم بها.
ومن التفاصيل التي تصقل المعنى: صفاء الماء أو كدره، فالصافي قد يدل على وضوح الأمر والكدر على غموض. وهل كان الفيل يحمل أحداً على ظهره، وهل رأى الرائي الشاطئ قريباً أم بعيداً، وهل كان في المشهد سفينة أو أحد ينقذ أو يعين. فالسفينة قد ترمز إلى النجاة والتدبير. وهل كان الفيل يسبح بمفرده أم مع قطيع. وكل ذلك يؤثر في وجهة القراءة.
ومن الناحية النفسية، فإن اجتماع الفيل والبحر يعبّر في الغالب عن شعور بالثقل داخل أحوال لا تُسيطر عليها، كمن يحمل مسؤولية كبيرة في زمن غير مستقر. وقد يكون الحلم صدى لانتقال من عمل إلى آخر أو من بلد إلى بلد. وهو دعوة إلى الصبر والمرونة، فكما يتعلم الفيل السباحة بخرطومه يتعلم الإنسان التكيف مع ما لا يألفه. ومن أخذ بالأسباب وتوكل على الله بلغ بر الأمان بإذنه.
ويحسن أن يلاحظ الرائي مشاعره حين استيقظ، فإن كان مطمئناً فهذا أدعى إلى حسن الظن، وإن كان قلقاً فلا يتعجل في تفسير الحلم بل يهدئ نفسه ويتوضأ ويدعو. والتخفيف عن النفس بالذكر وبالكلام مع من يثق بهم خير من الانشغال بالتأويل. فقد ثبت في تجارب الناس أن كثيراً من الأحلام تزول آثارها بسرعة إذا لم يُتعلق بها.
ومن المعاني اللطيفة أن الفيل رغم ثقله يطفو ويسبح ويصل، فكأن الحلم يذكّر بأن الثقل ليس بالضرورة عائقاً عن النجاة. فكل إنسان يحمل أعباءه ويستطيع أن يعبر بها بصبر وتدبير. ولعل في هذا تسلية للقلوب المثقلة. وكل ما ذُكر من ذلك باب من أبواب الرجاء لا الجزم.
وإذا كان الرائي ممن يسافرون بحراً أو يعملون في الموانئ والسفن، فقد يكون الحلم صدى لما يألفه من مشاهد وانشغالات، فلا يحتاج إلى تفسير بعيد. وكذلك من كان يتأهب لرحلة أو نقل أو انتقال، فقد يرى الفيل الثقيل في البحر تعبيراً عن قلقه من نقل أمتعته وأعبائه. وهذا من أكثر أسباب هذا الحلم قرباً إلى الواقع. والحلم حين يكون مرتبطاً بظرف معلوم فهو في الغالب حديث نفس لا أكثر.
وقد يرى بعضهم في الصورة تنبيهاً هادئاً إلى أن الغرق في التفاصيل يذهب بالقوة، وأن أفضل ما يفعله صاحب الحمل الثقيل أن يرتب أولوياته ويستعين بغيره. فالفيل الذي يسبح بلا هدف يتعب، والذي يتجه إلى الشاطئ يصل. وفي هذا حث لطيف على وضوح الهدف مع دوام الدعاء بالتيسير.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يُعتمد عليه في قرار حقيقي، فلا يُسافر أحد ولا يُقدم على تجارة بسبب حلم. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم قد يكون من حديث النفس وبقايا اليوم. فلنقابل الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، ونسأله أن يرزقنا السلامة ويحفظنا في بر وبحر.
