قد يرفع الإنسان بصره في المنام إلى السماء فيرى فيلاً كبيراً ثابتاً في الأفق أو بين السحب، كأنه جزء من المشهد السماوي أو تمثال معلق بين الغيوم. وهذه الصورة تختلف عن طيران الفيل وحركته، فالتركيز فيها على المكان الذي يظهر فيه: السماء بما توحي به من علو وبُعد وسعة. وهي من الأحلام التي تبعث على التأمل أكثر مما تبعث على الخوف عند كثيرين. وتفسيرها رمزي في عمومه، ولا يُعد خبراً عن واقع ولا حكماً بحدث.
والسماء في الرموز تدل عند أهل التأويل على العلو والرفعة والآمال البعيدة، وعلى ما يتصل بالمقامات العالية والأمور الكبرى. والفيل يدل على القوة والثقل والمنزلة والأمر الجسيم. فإذا اجتمعا في مشهد واحد فقد يُفهم أن أمراً عظيماً يلوح في أفق الرائي، وأنه يراه بعيداً لكنه واضح. وقد يعبّر أيضاً عن شخص ذي مكانة عالية يُنظر إليه من أسفل بإجلال أو بتطلع.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفيل قد يدل على رجل ذي سلطان وجاه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يشير إلى أمور ثقيلة وجسيمة. وعلى هذا قد يقرأ بعضهم ظهوره في السماء على أنه إشارة إلى علو ذلك الشأن أو بعده عن متناول الرائي. غير أن المفسرين اختلفوا في تأويل الظواهر العلوية في الأحلام، ولم يجمعوا على معنى واحد، فتُذكر هذه الأقوال على سبيل العلم بتنوع الفهم.
ويتغير المعنى بتغير الجو العام للحلم، فإذا كانت السماء صافية والفيل هادئاً فالأقرب أن الصورة تعبّر عن أمل جميل وأمر عظيم يُرجى. وإن كانت الغيوم داكنة فقد يشير إلى قلق من أمر كبير يلوح في الأفق ولم تتضح معالمه. وإن كان الفيل ساكناً كالتمثال فقد يعبّر عن أمنية ثابتة في النفس لا تفارقها. وإن كان يتحرك ببطء فقد يرمز إلى أمر كبير يقترب بهدوء.
وللرجل الذي يرى هذا الحلم، قد يرتبط بطموح بعيد كان يحسبه فوق طاقته. وللمرأة المتزوجة قد يتصل بأمل كبير تعلقه على أسرتها. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن أحلام واسعة لا تزال في الأفق. وللحامل قد يكون صدى لتأمل في مولودها وما ينتظره. وللتاجر قد يشير إلى مشروع كبير بعيد المنال يحتاج إلى صبر طويل. وكلها قراءات احتمالية لا يجزم بها.
ومن التفاصيل المؤثرة: موضع الفيل من السماء، أهو في المنتصف أم عند الأفق، وهل كان ظاهراً في النهار أم الليل، وهل كانت حوله نجوم أو شمس أو قمر، وهل كان الرائي واقفاً أم جالساً أم يمشي. فالشمس قد ترتبط بالمنزلة الظاهرة والقمر بالسكينة والجمال، لكن ذلك كله رأي لبعضهم. وإن رأى حوله طيوراً فقد يدل على كثرة الأتباع أو الأصحاب. وينبغي أن يوزن كل ذلك بميزان الاعتدال.
ومن الناحية النفسية، فإن النظر إلى السماء في الحلم يعبّر غالباً عن تطلع النفس وبحثها عن معنى أكبر. وظهور شيء ضخم وثقيل هناك قد يعكس مشاعر تجاه ما يعلو فوقنا من مسؤوليات وأقدار نشعر أنها أكبر منا. وهذا شعور إنساني طبيعي، يدعونا إلى التواضع والتسليم والعمل في حدود الاستطاعة. فمن أدرك أن الأمور الكبرى بيد الله هان عليه كثير من الهم.
وقد يفيد التأمل في أن الإنسان بحاجة إلى أن يرفع نظره عن مشاغله الصغيرة بين حين وحين، فيرى الصورة الأكبر لحياته. وربما كان الحلم دعوة لطيفة إلى إعادة ترتيب الأولويات، والتفكير فيما يبقى وينفع. فالأيام تمضي، ولا يبقى منها إلا العمل الصالح وذكر الخير. وليس ذلك من مقتضيات الحلم الإلزامية، وإنما هو معنى حسن يُستأنس به.
ويرى بعضهم أن الصورة قد تحمل معنى البشرى بخير بعيد يأتي في وقته، وهذا من حسن الظن الذي لا يُلام عليه صاحبه ما دام لا يتحول إلى تواكل. وإن رأى الإنسان فيها ما يقلقه فليدفع ذلك بالذكر والدعاء، وليتذكر أن الأحلام صور ليست حكماً. وكلما كان القلب أهدأ كان الفهم أسلم.
وإذا رأى الإنسان أن الفيل يهبط من السماء نحو الأرض ببطء، فقد يُقرأ ذلك على أن الأمر البعيد الذي كان يتطلع إليه يقترب منه بتدرج. وإن رآه يصعد أعلى فأعلى حتى يغيب، فقد يعبّر عن أمنية ابتعدت أو شيء ثقيل زال عن الرائي. وفي كلتا الحالتين ينبغي ألا يتعلق القلب بتأويل بعينه، فالأمل الصحيح يقوم على العمل. ومن لزم الصدق في عمله وخلقه لم يضره أي تأويل، ولم يحتج إلى حلم يطمئنه.
وفي الختام، فإن هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يصح أن يكون أساساً لأي قرار حقيقي. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم قد يكون من حديث النفس وما انطبع فيها من مشاهد النهار. فلنقابل الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، ونسأله أن يرزقنا علواً في الخلق وسعة في الصدر وبركة في العمل.
