من أكثر ما يعلق بالذاكرة في بعض الأحلام نظرة فيل عظيم يثبّت عينيه الهادئتين في عيني الرائي دون أن يتحرك أو يصدر صوتاً. وتكون النظرة طويلة صامتة، فيشعر الرائي أن الفيل يعرفه أو يريد أن يقول شيئاً أو يتأمله ببساطة. وهذا الحلم يترك أثراً هادئاً عميقاً عند كثيرين، ويحمل شعوراً بالمهابة والسكينة. وتفسيره رمزي لا حرفي، وليس فيه إخبار يقيني بأمر، وإنما هو قراءة يتفاوت فيها أهل التأويل.
والنظر في الرموز يدل عند أهل التأويل على الاهتمام والانتباه والتعرف، وقد يدل على الرعاية أو على الترقب أو على الحساب بحسب نوع النظرة. والفيل يدل على القوة والثقل والمنزلة والوقار. فإذا اجتمعا فقد يُقرأ أن أمراً عظيماً أو شخصاً ذا مكانة ينتبه إلى الرائي أو يهتم بشأنه، أو أن الرائي يشعر في داخله بأنه مراقب من أمر كبير يحمله مسؤولية. وهي معانٍ متعددة يرجحها الحال.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفيل قد يدل على رجل ذي سلطان وجاه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يشير إلى أمور ثقيلة وأعباء جسيمة. وعلى هذا قد يقرأ بعضهم نظرته على أنها التفات من صاحب شأن إلى الرائي أو انتباه من أمر جلل إليه. إلا أن المفسرين اختلفوا في تأويل النظرات والتعابير في الأحلام، ولم يتفقوا على قول، فهي آراء تُروى للتأمل.
ويتغير المعنى بتغير طبيعة النظرة وشعور الرائي، فإن كانت نظرة وديعة دافئة فالأقرب أنها رمز لرعاية واهتمام وقبول، وقد يشعر الرائي بأنه مرحّب به. وإن كانت نظرة حادة فقد تعبّر عن ضغط أو شعور بالمحاسبة الداخلية. وإن كانت نظرة غير مبالية فقد تشير إلى أن الأمر الكبير لا يعنى بك الآن. وإن كانت نظرة حزينة فقد تعكس مشاعر الرائي نفسه وإسقاطها على الصورة.
وللرجل الذي يرى هذا الحلم، قد يرتبط بشعور بأن رئيساً أو أمراً مهماً ينظر إلى عمله بعين الاهتمام. وللمرأة المتزوجة قد يتصل بإحساس بأن أمراً أسرياً كبيراً يترقب منها موقفاً. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن شعور بأن خطوة مهمة تنتظر قرارها. وللحامل قد يكون صدى لإحساس بالمراقبة اللطيفة من الأهل والأطباء وبالانتباه إلى حملها. وللتاجر قد يشير إلى انتباه جهة كبيرة لتجارته. وكلها قراءات احتمالية.
ومن التفاصيل المؤثرة: مسافة الفيل، أقريب هو أم بعيد، وهل كانت عيناه واضحتين، وهل رمش أو حرك أذنيه، وهل رفع خرطومه تحية أو خفضه. فالخرطوم المرفوع قد يُفهم عند بعضهم على أنه إشارة ترحيب، والمخفوض على هدوء. وهل كان الرائي يبادله النظر أم يتهرب منه. وهل كان في المشهد غيرهما. وهذه التفاصيل ترجّح الجانب الطيب أو الحذر.
ومن الناحية النفسية، فإن النظر الصامت في الحلم قد يكون صورة لضمير الإنسان ووعيه الداخلي حين يتأمل أمراً كبيراً في حياته. فكأن الفيل مرآة لما نشعر به من مسؤولية، ونظرته هي نظرة النفس إلى ما تحمله. وقد يكون دعوة هادئة إلى الصدق مع الذات وإلى مراجعة النفس بلطف لا بقسوة. فمن نظر في حاله بإنصاف وجد طريقه إلى الإصلاح أيسر.
ومن اللطائف التي يمكن أن يستأنس بها الرائي أن الفيل معروف بوداعة نظرته ورزانتها، فإذا نظر إليه في المنام فلعل في ذلك رمزاً للسكينة والتقدير. وكثيراً ما تكون النظرة الهادئة في الأحلام أخف على النفس من الكلام. وهذا المعنى لا يُجزم به، لكنه يبعث على حسن الظن.
ويحسن عند الاستيقاظ أن يسأل الإنسان نفسه من هو الشخص أو ما هو الأمر الذي يشعر بأنه ينظر إليه ويتوقع منه شيئاً، فقد يكون في الجواب إشارة إلى ما يستحق عناية. وإن لم يجد جواباً فليترك الأمر وليستمر في عمله. وليس كل حلم يحمل رسالة محددة.
وقد يفهم بعضهم النظرة على أنها تذكير بأن الله يرى عباده ويطلع على أحوالهم، فيزداد الرائي حرصاً على صدق العمل ونقاء النية. وهذا معنى إيماني حسن يجوز أن يأخذه المرء من أي موقف يتأمله، ولا يتوقف على الحلم. وكل خير يُرجى من هذه التأملات يبقى بين العبد وربه.
وإذا رأى الإنسان أن الفيل كان ينظر إليه ثم تقدم خطوة أو اثنتين نحوه، فقد يُقرأ ذلك على أن الأمر الكبير يقترب منه شيئاً فشيئاً ويطلب منه حضوراً أكثر. وإن ابتعد بعد النظر فقد يعبّر عن أمر عابر لا يحتاج إلى قلق. وللنساء والرجال على السواء قد تكون النظرة صورة لشعور بالتقدير الذي يتمناه المرء من الآخرين، فيراه مجسداً في كائن مهيب. ولا يعدو ذلك أن يكون قراءة نفسية لطيفة.
وللمرأة الحامل قد تحمل النظرة الوديعة معنى الطمأنينة والرعاية، وكأن النفس تستعير من وقار الفيل سكينته. وينبغي لها أن تتعامل مع الحلم بالدعاء وبحسن الظن، وأن تأخذ بوصايا الأطباء دون ربط ذلك بأي تأويل.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يُعتمد عليه في أي قرار حقيقي. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم قد يكون من حديث النفس وبقايا النهار. فلنقابل الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، ونسأله أن يرزقنا صدق النظر وصفاء القلب.
