قد يرى الإنسان في منامه فيلاً ضخماً أمامه، ثم يراه يصغر شيئاً فشيئاً حتى يصير بحجم حيوان أليف أو حتى بحجم لعبة صغيرة في اليد. وهذا الحلم لطيف في صورته عند كثيرين، وقد يثير الابتسام أو الدهشة أكثر مما يثير الخوف. ومع ذلك فإن له دلالات رمزية قد يتأمل فيها الرائي. ونؤكد من البداية أن تفسير الأحلام ليس حكماً قاطعاً ولا خبراً عن الغيب، وإنما هو اجتهاد يختلف فيه الناس باختلاف أحوالهم.
والفيل في الرموز يدل على القوة والضخامة والثقل والمنزلة، وعلى الأمور الجسيمة التي يُحسب لها حساب. فإذا رآه الإنسان يصغر ويتقلص فإن أول ما يتبادر إلى الذهن أن ذلك الحجم الكبير الذي كان يشغله يتضاءل في نظره. فقد يرمز إلى أمر كان يُظن عظيماً فتبيّن أنه أهون مما ظُن، أو إلى قلق كبير بدأ يخف. وفي المقابل قد يحمل معنى فقدان بعض القوة أو المنزلة إذا غلب على الحلم الأسى.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفيل قد يدل على رجل ذي سلطان وأمر عظيم الشأن. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يشير إلى أمور ثقيلة وأعباء كبيرة. وعلى هذا فقد يقرأ بعضهم تقلصه على أنه خفة ذلك الشأن أو تراجع أثره. إلا أن المفسرين اختلفوا في تأويل التغيرات الحجمية في الأحلام اختلافاً واسعاً، ولا يوجد قول جامع، فتُذكر هذه الأقوال للتأمل فحسب.
ويختلف المعنى بحسب شعور الرائي، فإن شعر بالراحة والفرح وهو يرى الفيل يصغر فالأقرب أنه رمز لانفراج هم وانكشاف خوف. وإن شعر بالحزن أو القلق فقد يعبّر عن خشية من ضياع قوة أو مكانة كان يعتمد عليها. وإن رأى الفيل الصغير لطيفاً يمكن حمله فقد يدل على أن أمراً كان ثقيلاً صار في المتناول. وإن رآه ضعيفاً مريضاً بعد التقلص فقد يحتاج الأمر إلى عناية.
وللرجل الذي يرى هذا الحلم، قد يرتبط بخفة في عمل أو التزام كان يرهقه، أو بتراجع ثقل شخص كان يهابه. وللمرأة المتزوجة قد يتصل بتخفيف أعباء بيتها وانفراج ضيق كانت تجده. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن تضاؤل رهبة من خطوة قادمة. وللحامل قد يكون صدى لطمأنينة بعد قلق. وللتاجر قد يشير إلى تقلص التزام مالي كان ثقيلاً. وكلها احتمالات رمزية.
ومن التفاصيل المؤثرة: هل كان التقلص تدريجياً أم فجائياً، وهل بقيت ملامح الفيل ظاهرة أم تحول إلى شيء آخر، وهل بقي بالحجم الجديد هادئاً أم صار نشيطاً، وهل كان الرائي هو من يحمله أم يراقبه من بعيد. فالتقلص التدريجي قد يدل على انفراج بطيء، والفجائي على تبدل سريع. ومن حمل الفيل الصغير بلطف فقد يرمز ذلك إلى قدرته على احتواء ما كان يفوق طاقته.
ومن الناحية النفسية، فإن الحلم قد يعكس ما يحدث في النفس حين تعتاد على أمر كبير فيصغر في نظرها. فكثير من مخاوفنا تبدو ضخمة في بدايتها ثم تتضاءل حين نواجهها ونفهمها. وقد يكون الحلم تعبيراً عن اكتسابك قدرة جديدة على التعامل مع ما كان يزعجك. ويجدر بك أن تلتفت إلى ما تغير في داخلك حديثاً، فربما كان هذا هو السبب الحقيقي لتقلص الصورة.
ويحسن في الوجه الآخر ألا يغتر الرائي بتضاؤل ما يخشاه، فربما كان الأمر بحاجة إلى متابعة وحذر مع ذلك. فالفيل الصغير يكبر مع الأيام، وكذلك المشكلات إن أُهملت. وفي الحلم دعوة إلى الاستمرار في الأخذ بالأسباب مع حسن الظن بالله. فلا إفراط في الطمأنينة ولا إفراط في الهم، وخير الأمور الوسط.
وقد يستنتج بعضهم من الحلم معنى آخر هو التواضع، فكما تتقلص الأمور العظيمة أمام الحكمة والصبر، فإن على الإنسان ألا يتكبر بما عنده من قوة فقد تصغر في عينه يوماً. وهذا درس جميل في أن العظمة الحقيقية ليست في الحجم وإنما في الأثر والخلق. ومن أحسن إلى الناس بقوته كبر ذكره، ولو كان جسمه صغيراً. ولا يلزم من ذلك ربطه بحدث معين.
وإذا كان الرائي طالب علم أو صاحب مشروع صغير، فقد يرى في الحلم إشارة رمزية إلى أن ما يخشاه من مهمة كبيرة سيهون عليه إذا بدأ بها بخطوات متدرجة. فكثير من الأعمال العظيمة تبدو كالفيل في بدايتها، ثم تلين بين يدي من صبر وواظب. وليس في هذا وعد بنتيجة معينة، وإنما هو تذكير بأن المثابرة تقرّب البعيد وتصغّر الكبير. وليأخذ المرء من الصورة ما ينفع ويدع ما سوى ذلك دون تكلف ولا وسوسة.
وقد يلاحظ الرائي أيضاً أن الحلم جاء بعد أيام من ضغط متواصل أو بعد حديث مع شخص أزال عنه همّاً، فيكون التقلص صورة لهذا التخفف. وفي مثل هذه الحال فإن أنسب ما يُقال هو الحمد على التيسير وسؤال الله الثبات. والتيسير نعمة تستحق الشكر كما يُشكر على كل عطاء.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يصلح أساساً لأي قرار حقيقي من قرارات الحياة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما نراه في المنام قد يكون من حديث النفس وانشغالات النهار. فلنقابل الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، ونسأله أن يخفف عنا كل ثقل ويرزقنا الصبر والسكينة في كل أمر.
