يتميز الفيل بصوت عالٍ مدوٍّ يخرج من خرطومه فيبلغ مسافات بعيدة، وقد يكون نداءً أو تحية أو تعبيراً عن انفعال. ومن سمع هذا الصوت في منامه أو رآه يرفع خرطومه ويصيح، بقي أثره في نفسه ساعات بعد الاستيقاظ. وهو من الأحلام التي يتذكر الناس فيها الصوت أكثر من الصورة. وكل ما يُقال في تفسيره قراءة رمزية لا تُحمل على ظاهرها، فليس في الصوت إخبار عن حدث حقيقي، وإنما هو تأمل في معانٍ محتملة.
والصوت في الأحلام يرتبط بالكلام والخبر والنداء والتنبيه والإعلان، وحين يكون صوتاً عظيماً كصوت الفيل فقد يُقرأ على أنه كلمة لها وزن، أو خبر يشتهر بين الناس، أو تنبيه صادر من صاحب شأن، أو أمر عظيم يُعلن عن نفسه. وقد يعبّر عن حاجة الرائي إلى أن يُسمع صوته وأن يُؤخذ رأيه بجدية، أو عن شعوره بأن من حوله يرفعون أصواتهم في قضايا كبيرة تثقل عليه.
ونُسب إلى بعض المفسرين القدامى أن صوت الحيوان القوي في المنام قد يدل على كلام ذي سلطان أو على أمر يُنادى به ويُذاع، وأن الفيل يدل على صاحب جاه عظيم. وذهب بعضهم إلى أن اجتماع الصوت العالي مع الحيوان المهيب قد يشير إلى هيبة كلام الكبار وتأثيره. وقد اختلف أهل التعبير في دلالة الأصوات اختلافاً ظاهراً بحسب نوعها وشدتها، فلا ينبغي أن تُحمل هذه الأقوال على أنها حكم قاطع، وإنما هي اجتهادات تُذكر بحذر.
ويتغير المعنى بحسب نوع الصوت ودواعيه. فإن كان الصوت هادئاً يشبه النداء الودود فقد يوحي بصلة أو تحية من صاحب فضل، وإن كان مدوياً غاضباً فقد يعبّر عن توتر أو ضغط أو كلام قاسٍ يتوقعه الرائي. وإن كان الصوت يجيبه صوت آخر فقد يدل على حوار وتواصل بين طرفين قويين، وإن كان وحيداً في الفضاء فقد يوحي بحاجة إلى أن يُسمع. وإن شعر الرائي بالطمأنينة رغم قوة الصوت فالأقرب أن المعنى محمود في نفسه.
وللرجل قد يتصل الحلم بمواقف يحتاج فيها إلى أن يرفع صوته بالحق أو يعلن رأيه، أو بكلام صاحب منصب عليه. وقد يكون فيه تذكير بأن الكلمة الجهيرة لا تكون قوية إلا إذا اقترنت بالحكمة، وأن الصوت العالي لا يغني عن الحجة. ومن كان في موقع قيادة فليتذكر أن كلمته تُسمع من بعيد، فليتحرّ فيها العدل والرفق.
وللمرأة غير المتزوجة قد يشير المنام إلى رغبتها في أن يكون لرأيها وزن بين أهلها وصحبتها، وللمتزوجة إلى كثرة الأصوات في بيتها وما تتطلبه من صبر وحكمة. وللحامل قد يرتبط بالحساسية الزائدة للأصوات والتوتر الذي يصاحب الحمل أحياناً. ولا ينبغي أن يُحمّل ذلك أكثر من حاله، فهو من أحاديث النفس في الغالب.
وللتاجر قد يوحي صوت الفيل بخبر يشتهر في السوق، أو بإعلان عن تجارة أو سمعة تبلغ بعيداً، أو بتنبيه إلى أن الكلام في التجارة يحتاج إلى صدق ووفاء. وقد يكون في المنام دعوة إلى التحقق من الأخبار قبل البناء عليها، فالصوت العالي قد يخفي حقيقة صغيرة. ولا يُتخذ المنام أساساً لقرار، وإنما هو مما يُستأنس به على سبيل الخاطر.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل رفع الفيل خرطومه عند الصوت، وهل كانت أذناه مفتوحتين، وهل تردد الصدى في المكان، وهل استجاب له فيلة أخرى، وهل بدا عليه الفرح أم الغضب أم الاستغاثة. فالصدى قد يوحي بأن للكلمة أثراً بعيداً، واستجابة الفيلة بأن في الأمر جماعة تلتقي عليه، وبيان حال الفيل من فرح أو غضب هو أهم ما يحدد الاتجاه. وهذه كلها قرائن تقريبية.
وفي الجانب النفسي، قد تكون الأصوات في الأحلام صدى لما يسمعه الإنسان في يومه من ضجيج وأخبار وكلام متواصل. فمن أكثر من متابعة الأخبار أو عانى من خلافات مرتفعة الصوت قد يتكرر ذلك في منامه بصورة رمزية. ومن الحكمة أن يخفف المرء من مصادر الضجيج، وأن يخصص لنفسه أوقاتاً للهدوء والذكر، فبذكر الله تطمئن القلوب وتهدأ الأصوات في داخلها.
وفي المنام معنى تربوي لطيف: أن الصوت العالي ليس دائماً علامة قوة، وأن أعظم الأقوياء من يملك نفسه عند الغضب ويخفض صوته عند الحاجة. فالفيل لا يصيح إلا لسبب، وهو في أغلب أحواله هادئ الصوت. ومن رأى هذا المشهد فقد يجد فيه دعوة لأن يحسن اختيار كلماته ومواضعها، وأن يكون كلامه نافعاً قليلاً بليغاً.
وأخيراً، فإن هذا التأمل كله اجتهاد بشري ظني، يصيب أحياناً ويخطئ أحياناً، فلا يحسن أن يُبنى عليه موقف أو قرار في الحياة الحقيقية. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على المسلم إلا أن يحسن الظن بربه ويلجأ إلى الدعاء ويأخذ بالأسباب. فمن رأى ما يسرّه حمد الله، ومن رأى ما يزعجه استعاذ بالله منه ومضى في يومه مطمئناً.
