من رأى في منامه عينًا في وضح النهار، فهذه رؤيا يغلب عليها طابع الوضوح والانكشاف. والأصل أن الرؤى رموز لا تُقرأ حرفيًا، وأن معناها يتغير بحسب حال الرائي وما يمر به. فالنهار في الأحلام يرتبط بالنشاط والظهور والعلانية، لكنه قد يحمل أيضًا معنى الحرارة والإجهاد إن اشتد. ولذلك يحسن أن يتأمل الرائي شعوره في المشهد قبل أن يبحث عن معنى.
العين ترمز في عالم الرؤى إلى البصيرة وحسن النظر في الأمور، وإلى الانتباه والمشاعر الظاهرة والتواصل مع الآخرين. والنهار يرمز إلى الظهور والوضوح والعمل والسعي. فاجتماعهما قد يشير إلى وضوح الرؤية في أمر ما، أو إلى انكشاف ما كان خفيًا، أو إلى نشاط وانتباه في ميدان العمل والحياة. وقد يدل كذلك على نظرة مفتوحة إلى الأمور بلا حجاب. وهذه قراءة عامة تحتمل الصواب والخطأ.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب النهار أنه قد يدل بحسب حاله على وضوح وانكشاف أمر، وأن اشتداد حرارته قد يدل على مشقة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن النهار المشرق يدل على خير وبيان، وأن النهار الملبد يدل على التباس. أما العين في النهار تحديدًا فهي من الصور الأقل تناولًا بتفصيل مستقل في الكتب القديمة، ولذلك يغلب أن يُجمع فيها بين أصل النهار وأصل العين. وقد اختلف المفسرون في هذه الأمور، فلا يصح الجزم بقول واحد على أنه قاطع.
للسياق أثر كبير. فإذا كان النهار مشرقًا والعين تنظر براحة، فهو أقرب إلى معنى الصفاء والوضوح. وإذا كان الضوء شديدًا يبهر العين ويؤذيها، فقد يعبّر عن موقف مكشوف يتعب الرائي أو عن انتباه شديد يرهقه. وإذا كان النهار غائمًا فقد يرتبط بقدر من الالتباس. ويؤثر المكان كذلك، فالنهار في الحقل أو الساحة يرتبط بالانفتاح، وفي المكتب بالعمل.
إذا رأت العزباء عينًا في النهار، فقد يشير ذلك إلى وضوح في أمر كانت حائرة فيه أو إلى بداية مرحلة نشطة. وإن كان الضوء مؤذيًا فقد يعبّر عن شعور بأنها مكشوفة أمام نظرات الآخرين. والمتزوجة قد يعبّر الحلم عندها عن نشاط في شؤون بيتها وعن وضوح في علاقاتها. وإن كانت حاملة فالأقرب أن يُحمل الحلم على الرغبة في النشاط والحيوية، مع التذكير بأن أي حساسية مفرطة للضوء أو تغير حقيقي في النظر يستدعي مراجعة الطبيب. ويبقى ذلك اجتهادًا لا قطعًا.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد يرتبط الحلم عنده بوضوح في العمل أو ظهور نتيجة جهد، أو بمواجهة موقف علني. والطالب قد يرى هذا المشهد عند اقتراب نتيجة أو عرض. وصاحب التجارة قد يعبّر الحلم عنده عن انكشاف حال السوق. أما المريض فقد يتأثر الحلم بحالته وبما يرجوه من تحسن، فلا يُحمّل أكثر مما يحتمل. ويبقى الاعتبار الأول لواقع الرائي.
التفاصيل الدقيقة تضيف معنى. فهل كانت الشمس ساطعة أم خلف الغيم، وهل كانت العين تنظر إلى الشمس أم إلى الأرض، وهل شعر الرائي بالدفء أم بالحر؟ الدفء يُحمل على راحة، والحر الشديد على مشقة. والنظر إلى الأرض يُحمل على تواضع أو تدقيق، والنظر إلى الأفق على طموح وتطلع. ويُنظر كذلك إلى وجود ظل يستريح فيه الرائي، فهذا يوحي بوجود سند أو ملجأ مريح. وكل ذلك من الاحتمالات التقريبية.
من الناحية النفسية والعملية، قد يظهر هذا الحلم عند من يقضون وقتًا طويلًا في الضوء أو يمرون بمرحلة نشاط، وعند من يتعرضون لإضاءة قوية قبل النوم. ويفيد استخدام وسائل حماية العين من الضوء الشديد في اليقظة وتنظيم أوقات الراحة. وليس هذا نصيحة طبية، فإن وُجدت في اليقظة حساسية للضوء أو ألم أو ضعف في النظر أو غشاوة، فعلى الرائي أن يراجع طبيب العيون ولا يكتفي بتفسير الحلم.
ومما يعين على فهم هذه الرؤيا أن يعود الرائي إلى حاله في اليقظة خلال الأيام الأخيرة، فإن كان ينتظر جوابًا أو نتيجة أو موقفًا علنيًا فقد يكون الحلم صدى لانتظاره. وإن كان يعيش أيامًا هادئة فالأقرب أن المشهد صورة عابرة من صور النهار التي علقت في ذهنه. ويستحسن ألا يستعجل الرائي في ربط الرؤيا بحدث معين، بل يكتفي بأن يجعلها دافعًا إلى مزيد من الوضوح مع نفسه ومع من حوله. وكثيرًا ما يكون تدوين الحلم في ورقة قصيرة سببًا في اتضاح معناه بعد أيام قليلة.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، وليس علمًا قاطعًا بما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا قرار مصيري. وحسن الظن بالله أصل في كل حال، ومن رأى ما يسرّه فليشكر الله وليستمر في حسن العمل. اللهم اجعل لكل من طلب وضوحًا في أمره رأيًا سديدًا وصحة في بصره وعافية في بدنه، والله أعلم.
