تتعدد صور العين في المنام وتختلف معانيها باختلاف حال الرائي وما يحيط بالمشهد، ولذلك يجمع هذا العرض أبرز ما يمكن أن تدل عليه في إطار عام. ومن المفيد التذكير بأن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تُقرأ كأنها خبر مؤكد عن المستقبل. وما يُذكر في هذا المقام اجتهاد في الفهم قد يصيب وقد يخطئ. وينبغي للرائي أن يتعامل مع منامه بهدوء، وأن يعده مادة للتأمل لا موعدًا لأمر قادم. وكلما اتسع صدره للاحتمالات المتعددة كان فهمه أقرب إلى الاتزان.
العين في أصل الرمز أداة النظر ومنفذ الإدراك، ولذلك ارتبطت بالبصيرة وحسن التقدير. وتدل على الانتباه إلى ما يجري حول الإنسان، وعلى الطريقة التي ينظر بها إلى أموره وأحواله. وتعبر عن المشاعر الظاهرة، فالنظرة تكشف الاهتمام والرضا والتساؤل والتعب. وترتبط بالتواصل بين الناس، إذ يبدأ كثير من التفاهم بنظرة صادقة. ويظهر من ذلك أن المعاني الأربعة، البصيرة والانتباه والمشاعر والتواصل، هي الإطار الأوسع لأغلب صور العين.
نُسب إلى ابن سيرين أن العين في المنام قد تشير إلى القريب العزيز وإلى ما يعين المرء في أمره، وأن صفاءها وسلامتها يدلان في الغالب على خير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن العين ترمز إلى نفاسة ما يملكه الإنسان وإلى بصره بأموره. وقد اختلف الشراح في التفاصيل، فمنهم من غلّب المعنى المعنوي ومنهم من غلّب المعنى المتصل بالأهل والمال. والصور الأقل شيوعًا، كالعين التي تتحول أو تختفي أو تظهر فجأة، أقل تناولًا في الكتب القديمة. ولذلك يبقى الاجتهاد فيها واسعًا ويبقى الجزم بعيدًا.
للسياق أثر كبير في الدلالة، فالعين الصافية في مشهد مضيء غير العين الغائمة في مشهد مبهم. وشعور الرائي أثناء الحلم قرينة مهمة، فالراحة تميل بالتفسير إلى الأنس والاطمئنان، والتوتر يميل به إلى الحاجة إلى التأني. وكذلك ما يحيط بالعين من أماكن وأشخاص وأصوات، فالعين في بيت مألوف تختلف عنها في طريق غريب. ويضاف إلى ذلك الوقت والحالة الجسدية، كالتعب أو السهر أو كثرة النظر إلى الشاشات. وجمع هذه القرائن أولى من التعلق بتفصيل واحد.
فمن الصور المتصلة بحال الرائي أن تراها المرأة المتزوجة فيتجه المعنى غالبًا إلى أسرتها وبيتها، وتراها العزباء فيتجه إلى تطلعاتها واختياراتها. وإذا رآها الرجل اتجه المعنى إلى عمله ومعاشه وعلاقاته، وإذا رأتها الحامل اتجه إلى طمأنينتها وعنايتها بنفسها. وللمطلقة والأرملة قراءة تميل إلى الرفق بالنفس والاعتماد على البصيرة، وللشاب والطالب قراءة تميل إلى الطموح والتحصيل. وللتاجر والمسافر قراءة تميل إلى حسن التقدير والتأني في الطريق. وأما المريض والحزين وكبير السن فتميل القراءة عندهم إلى حاجة النفس إلى السكينة والعناية.
ومن الصور المتصلة بهيئة العين أن تكون قريبة جدًا فيتجه المعنى إلى التركيز على تفصيل، أو بعيدة فيتجه إلى أمر مؤجل أو شوق. وإذا رُؤيت من النافذة فقد تدل على الإطلالة والتواصل، وإذا تبعت الرائي أو أحاطت به فقد تدل على أمر يلازم الذهن أو كثرة اعتبارات تتجاذبه. وإذا كانت بلون غريب فقد تشير إلى جديد لم يألفه، وإذا لم تغمض فقد تشير إلى يقظة مستمرة وحاجة إلى راحة. وإذا تحولت إلى نجمة فقد تدل على أمل، وإلى زهرة فقد تدل على رقة وتجدد. وإذا ابتسمت فقد تدل على أنس، وإذا اختفت أو ظهرت فجأة فقد تدل على انتقال الاهتمام أو التفات جديد.
أما لمس العين فقد يدل على عناية بالنفس أو رغبة في تبين أمر، والخوف منها قد يدل على حياء أو تهيب من النظر إلى مسألة بوضوح. وتكرار رؤيتها قد يدل على انشغال ذهني بموضوع لم يُحسم، ووقت الرؤيا، قبل الاستيقاظ أو في الصباح أو بعد الظهر، يضيف قرينة يسيرة تتصل بحال النوم لا بالمعنى وحده. وإغماض العين وفتحها قد يدل على استراحة ثم وضوح. وكل ما سبق قراءات محتملة تُقدَّر بقدر ما يوافق حال الرائي الفعلية.
ومن الناحية النفسية فإن العين من أكثر الرموز حضورًا في الأحلام، لأن الإنسان يعتمد على بصره في أغلب شؤونه، وتتأثر الأحلام بما يشغل الذهن في اليقظة. وكثيرًا ما تأتي هذه الأحلام بعد سهر أو إجهاد أو قلق من أمر لم يتضح. وفي هذه الحال لا تحمل الرؤيا خبرًا بقدر ما تعكس حال الجسد والنفس. ويخفف ذلك أن ينظم الرائي نومه وأن يريح عينيه وأن يتحدث مع من يثق به عما يشغله. ويفيده أن يتذكر أن الحلم صورة عابرة لا تدل على وقوع شيء.
عمليًا يمكن للرائي أن يدوّن ما رأى وما أحس به، ثم يراجع بعد أيام صلته بأمر يشغله. والحلم ليس نصيحة طبية، فإذا كان هناك ألم أو احمرار أو ضعف حقيقي في النظر فعليه مراجعة طبيب العيون في الوقت المناسب، وكذلك الحال للحامل والمريض وكبير السن. ولا يصح أن يُترك قرار لمجرد منام، بل يُرجع فيه إلى المشورة والنظر في الواقع. وتفيده راحة العين وانتظام النوم أكثر مما يفيده التعمق في التأويل. وتبقى الرؤيا مناسبة للتأمل الهادئ.
وفي الختام، يبقى ما ذُكر اجتهادًا بشريًا ظنيًا قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن معرفة الرائي بحاله. وعليه أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله أن يجعل كل رؤيا خيرًا وأن يطمئن قلبه ويصلح أمره. وإن كانت الرؤيا مبشرة فالحمد لله، وإن كانت غير واضحة فلا ينبغي أن يقلق منها. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والعاقل يجمع بين الأخذ بالأسباب وحسن التوكل. والله أعلم.
