من رأى في منامه عينًا في الصحراء، سواء رأى عينه تنظر إلى أفق ممتد أو رأى عينًا ترقب الرمال، فهذه رؤيا تتصل بالاتساع والوحدة والبحث. والأصل أن الرؤى رموز لا تُقرأ حرفيًا، وأن معناها يتغير بحسب حال الرائي وشعوره أثناء المشهد. فالصحراء في الأحلام قد ترمز إلى الصبر والتجرد وسعة الأفق، وقد ترمز إلى الشعور بالوحدة أو قلة الأنس. ولذلك يحسن أن يتأمل الرائي هل كان في المشهد سكينة أم قلق.
العين ترمز في عالم الرؤى إلى البصيرة وحسن النظر في الأمور، وإلى الانتباه والمشاعر الظاهرة والتواصل مع الآخرين. والصحراء ترمز إلى الاتساع والصبر ومرحلة قلة الموارد، كما ترمز إلى الصفاء والخلوة. فاجتماعهما قد يشير إلى نظرة بعيدة المدى نحو أفق مفتوح، أو إلى مرحلة يحتاج فيها الرائي إلى الصبر وسعة الصدر، أو إلى بحث عن اتجاه وسط الاتساع. وقد يدل كذلك على رغبة في الخلوة والتأمل. وهذه قراءة عامة تحتمل الصواب والخطأ.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الصحراء والبرية أنها قد تدل على سفر أو مشقة أو غربة أو سعة بحسب حال الرائي وما فيها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الفلاة قد تدل على خلو أو وحدة أو تجرد، وأن السير فيها يدل على صبر. أما العين في الصحراء تحديدًا فهي من الصور الأقل تناولًا بتفصيل مستقل في الكتب القديمة، ولذلك يغلب أن يُجمع فيها بين أصل الصحراء وأصل العين. وقد اختلف المفسرون في هذه الدلالات، فلا يصح الجزم بقول واحد.
للسياق أثر كبير. فإذا كانت الصحراء هادئة والسماء صافية والعين تنظر براحة، فهو أقرب إلى معنى الصفاء والسكينة وسعة الأفق. وإذا كانت الرياح عاصفة والرمال تلسع العين، فقد يعبّر ذلك عن مشقة أو تعب في مرحلة معينة. وإذا كانت العين تبحث عن شيء ولا تجده، فقد يشير إلى بحث الرائي عن اتجاه أو هدف. ويؤثر الوقت كذلك، فالصحراء في الفجر تحمل رجاء، وفي الظهيرة حرارة، وفي الليل هدوءًا.
إذا رأت العزباء عينًا في الصحراء، فقد يشير ذلك إلى شعور بالوحدة أو بالبحث عن اتجاه في حياتها، أو إلى رغبة في خلوة تتأمل فيها نفسها. وإن كان الأفق جميلًا فهو أقرب إلى سعة الأمل. والمتزوجة قد يعبّر الحلم عندها عن حاجة إلى مساحة خاصة أو عن صبر تحتاجه في مرحلة معينة. وإن كانت حاملة فالأقرب أن يُحمل الحلم على الرغبة في الهدوء وطول الانتظار، مع التذكير بأن أي جفاف أو ألم حقيقي في العين يستدعي مراجعة الطبيب. ويبقى ذلك اجتهادًا لا قطعًا.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد يرتبط الحلم عنده بسفر أو عمل بعيد أو مرحلة صبر طويلة. والطالب قد يرى هذا المشهد عند شعوره بضخامة الطريق أمامه. وصاحب العمل قد يعبّر الحلم عنده عن مشروع في بدايته يحتاج إلى مثابرة. أما المريض فقد يتأثر الحلم بإحساس الوحدة أو طول مدة العلاج، فلا يُحمّل أكثر مما يحتمل. ويبقى الاعتبار الأول لما يعيشه الرائي فعلًا.
التفاصيل الدقيقة تضيف معنى. فهل كانت العين وحدها أم مع قافلة أو شخص، وهل رأت ماءً أو واحة أو ظلًا، وهل كانت الرمال ذهبية أم رمادية؟ رؤية الماء أو الواحة تُحمل على أمل بفرج بعد مشقة، والبقاء وحيدًا يُحمل على حاجة إلى رفقة. والرمال الذهبية تُحمل على دفء، والرمادية على فتور. ويُنظر كذلك إلى اتجاه العين، فالنظر إلى الأمام يُحمل على تطلع، والنظر إلى الوراء على حنين.
من الناحية النفسية والعملية، قد يظهر هذا الحلم عند من يشعرون بالوحدة أو بقلة الموارد أو يعيشون مرحلة انتظار، وعند من يحبون السفر والبرية. ويفيد أن يتواصل الرائي مع من يحب وأن يضع لنفسه أهدافًا صغيرة قريبة. وقد يرتبط الحلم بجفاف العين. وليس هذا نصيحة طبية، فإن وُجد في اليقظة جفاف أو ألم أو ضعف في النظر أو غشاوة، فعلى الرائي أن يراجع طبيب العيون ولا يكتفي بتفسير الحلم.
ومما يعين على فهم هذه الرؤيا أن يعود الرائي إلى حاله عند الاستيقاظ، فإن بقي في نفسه سكون فقد تكون دعوة إلى التأمل. وإن بقي فيه شعور بالوحدة فقد يستحسن أن يزيد صلته بمن يحب. ولا يستعجل الرائي ربط المشهد بحدث معين، بل يجعله فرصة لمراجعة أولوياته. وكثيرًا ما تتضح دلالة مثل هذه الصور مع مرور الأيام حين يرى الرائي ما يتصل بها في واقعه.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، وليس علمًا قاطعًا بما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا قرار مصيري. وحسن الظن بالله أصل في كل حال، ومن رأى ما أقلقه فليتذكر أن الرحلة مهما طالت فلها نهاية. اللهم اجعل لكل من سار في طريق طويل صبرًا جميلًا وهداية في أمره وصحة وعافية، والله أعلم.
