من رأى في منامه عينًا في النار أو بين ألسنة اللهب، فقد يستيقظ منزعجًا من المشهد وهو في الحقيقة مشهد رمزي أكثر منه واقعي. والأصل أن الرؤى رموز لا تُقرأ حرفيًا، وأن النار في الأحلام لا تعني شرًا بالضرورة، فقد ترمز إلى الحرارة والانفعال والدفء والضوء بحسب سياقها. ومعنى الحلم يتغير بحسب حال الرائي وشعوره، فالدفء المطمئن يختلف عن الخوف الشديد. لذلك يحسن أن يتأمل الرائي طبيعة النار في الحلم وهدوءها قبل أن يتأمل العين.
العين ترمز في عالم الرؤى إلى البصيرة وحسن النظر في الأمور، وإلى الانتباه والمشاعر الظاهرة والتواصل مع الآخرين. والنار ترمز في كثير من الأحيان إلى الانفعال والحماسة والحدة، وقد ترمز إلى الدفء والضوء والتغيير. فاجتماعهما قد يشير إلى انتباه شديد الحرارة أو انفعال يؤثر في طريقة النظر إلى الأمور، أو إلى موقف ساخن يحتاج الرائي فيه إلى هدوء ورؤية متزنة. وقد يدل كذلك على حماسة قوية تجاه أمر ما. وهذه قراءة عامة تحتمل الصواب والخطأ.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب النار أنها تدل بحسب حالها على معانٍ متعددة، فقد تدل على فتنة أو حرب أو سلطان، وقد تدل على علم وهداية إذا كانت ضوءًا ينتفع به. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن النار الهادئة النافعة تدل على منفعة، وأن النار المحرقة تدل على كدر أو خصومة. أما العين التي تُرى في النار تحديدًا فهي من الصور الأقل تناولًا بتفصيل مستقل في الكتب القديمة، ولذلك يغلب أن يُجمع فيها بين أصل النار وأصل العين. وقد اختلف المفسرون في هذه الأمور اختلافًا واسعًا، فلا يصح الجزم بقول واحد.
للسياق أثر كبير. فإذا كانت النار هادئة دافئة كنار موقد أو شمعة والعين فيها سليمة، فهو أقرب إلى معنى الدفء والإضاءة والحماسة المنضبطة. وإذا كانت النار مشتعلة بعنف والرائي خائف، فقد تعبّر عن توتر أو انفعال شديد أو موقف يتصاعد. وإذا كانت العين تنظر من خلال اللهب بثبات، فقد يشير ذلك إلى ثبات أمام ضغط أو حدة في التركيز. ويؤثر المكان كذلك، فالنار في البيت تُحمل على أحوال الأسرة، وفي العمل على ضغوط المهنة.
إذا رأت العزباء عينًا في النار، فقد يشير ذلك إلى انفعال تجاه أمر يخصها أو إلى حماسة لموضوع جديد. وإن كان المشهد مخيفًا فقد يعبّر عن توتر من موقف عاطفي أو اجتماعي لم يُحسم. والمتزوجة قد يعبّر الحلم عندها عن حرارة في النقاش داخل البيت أو عن حماسة لأمر يخص أسرتها. وإن كانت حاملة فالأقرب أن يُحمل الحلم على القلق الطبيعي وحدة الانفعال التي قد تصاحب هذه المرحلة، مع التذكير بأن أي ألم أو تهيّج حقيقي في العين يستدعي مراجعة الطبيب. ويبقى ذلك اجتهادًا لا قطعًا.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد يرتبط الحلم عنده بضغط في العمل أو بمنافسة محتدمة أو بحماسة لمشروع جديد. والطالب قد يرى هذا المشهد عند الامتحانات وسخونة المنافسة. وصاحب المسؤولية قد يعبّر الحلم عنده عن موقف ساخن يتطلب رؤية متزنة. أما المريض فقد يتأثر الحلم بحرارة جسده أو بقلقه، فلا يُحمّل أكثر مما يحتمل. وفي جميع الأحوال يكون الاعتبار الأول لما يعيشه الرائي في واقعه.
التفاصيل الدقيقة تضيف معنى. فهل كان لون النار أحمر أم برتقاليًا أم أزرق، وهل كانت العين تتأذى أم تتحمل، وهل انطفأت النار في نهاية المشهد؟ انطفاؤها يُحمل على هدوء الموقف وانتهاء الحدة، واستمرارها يُحمل على موقف لا يزال قائمًا. والعين التي لا تتأذى تُحمل على قدرة على الثبات، والتي تتأذى تُحمل على حاجة إلى الابتعاد عن مصدر الانفعال. ويُنظر كذلك إلى وجود ماء أو شخص يطفئ النار، فهذا يوحي بوجود وسيلة لتهدئة الأمر.
من الناحية النفسية والعملية، قد يظهر هذا الحلم عند من يمرون بمواقف متوترة أو يغضبون كثيرًا أو يتعرضون لضغط عمل، وعند من شاهدوا مشاهد نار قبل نومهم. ويفيد أن يتعلم الرائي طرقًا للتهدئة كالتنفس العميق والمشي وتأجيل القرارات الانفعالية. وقد يرتبط الحلم بحرارة أو جفاف في العين. وليس هذا نصيحة طبية، فإن وُجد في اليقظة حرقة أو احمرار أو ألم أو ضعف في النظر أو غشاوة، فعلى الرائي أن يراجع طبيب العيون ولا يكتفي بتفسير الحلم.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، وليس علمًا قاطعًا بما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا قرار مصيري ولا خوف دائم. وحسن الظن بالله أصل في كل حال، ومن رأى ما أزعجه فليتذكر أن الرؤى المزعجة لا تعني بالضرورة شرًا. اللهم اجعل لكل من اشتد عليه أمر هدوءًا في النفس وسكينة في القلب وصحة وعافية، والله أعلم.
