من رأى في منامه عينًا في الشارع، سواء رأى عينه تتأمل المارة أو رأى عينًا تلوح بين الأبنية والطرقات، فهذه رؤيا تتصل بالمحيط العام والتواصل مع الناس. والأصل أن الرؤى رموز لا تُقرأ حرفيًا، وأن معناها يتغير بحسب حال الرائي وشعوره في المشهد. فالشارع في الأحلام يرمز إلى الحياة العامة والمسير والاحتكاك بالآخرين، ولذلك تتصل العين فيه بنظرة الرائي إلى مجتمعه ونظرة المجتمع إليه. ويحسن أن يتذكر الرائي هل كان الشارع هادئًا أم مزدحمًا.
العين ترمز في عالم الرؤى إلى البصيرة وحسن النظر في الأمور، وإلى الانتباه والمشاعر الظاهرة والتواصل مع الآخرين. والشارع يرمز إلى الطريق العام والتنقل والتفاعل مع من حولنا، فهو ساحة يلتقي فيها الجميع. فاجتماعهما قد يشير إلى انتباه الرائي لما يدور حوله في محيطه الاجتماعي، أو إلى شعور بنظرات الناس إليه، أو إلى فضول تجاه ما يراه في طريقه. وقد يدل كذلك على مرحلة يخرج فيها إلى الناس أكثر. وهذه معانٍ احتمالية لا يجزم بها.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الطريق والسوق أنها تدل على أحوال الناس ومعاشهم وما يمر به الرائي في حياته العامة بحسب حالها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن السير في الطرقات قد يدل على سعي وطلب رزق أو علم، وأن اضطراب الطريق يدل على اضطراب الحال. أما العين في الشارع تحديدًا فهي من الصور الأقل تناولًا بتفصيل مستقل في الكتب القديمة، ولذلك يغلب أن يُجمع فيها بين أصل الطريق وأصل العين. وقد اختلف المفسرون في ذلك، فلا يصح الجزم بقول واحد.
للسياق أثر كبير. فإذا كان الشارع هادئًا مضاءً والعين تنظر براحة، فهو أقرب إلى معنى الطمأنينة في الحياة العامة. وإذا كان مزدحمًا صاخبًا والعين تتوتر، فقد يعبّر عن ضغط الاحتكاك بالناس وكثرة المثيرات. وإذا كانت العين تتبع المارة، فقد يشير ذلك إلى فضول أو إلى شعور بالمراقبة. ويؤثر الوقت كذلك، فالشارع في الصباح يحمل نشاطًا، وفي المساء فتورًا، وفي الليل هدوءًا أو وحشة.
إذا رأت العزباء عينًا في الشارع، فقد يشير ذلك إلى اهتمامها بنظرة المجتمع إليها أو إلى شعور بالمراقبة عند خروجها، أو إلى رغبة في الانفتاح على الحياة. وإن كان الشارع هادئًا فهو أقرب إلى الاطمئنان. والمتزوجة قد يعبّر الحلم عندها عن اهتمام بصورة أسرتها أمام الناس أو عن مشاغل الخروج والمعاملات. وإن كانت حاملة فالأقرب أن يُحمل الحلم على الحساسية تجاه الأجواء العامة، مع التذكير بأن أي تغير حقيقي في النظر يستدعي مراجعة الطبيب. ويبقى ذلك اجتهادًا لا قطعًا.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد يرتبط الحلم عنده بسعيه في الأرض وتعامله مع الناس أو بقلقه من آراء المحيطين به. والطالب قد يرى هذا المشهد عند الذهاب والإياب بين البيت والدراسة. وصاحب التجارة قد يعبّر الحلم عنده عن انتباه لحركة السوق. أما المريض فقد يتأثر الحلم بشوقه إلى الخروج والتنزه، فلا يُحمّل أكثر مما يحتمل. ويظل الاعتبار الأول لما يعيشه الرائي فعلًا.
التفاصيل الدقيقة تضيف معنى. فهل كانت العين تسير مع الرائي أم تعلو فوقه، وهل كان الشارع مألوفًا أم غريبًا، وهل كان مزدحمًا بالناس أم خاليًا؟ الشارع المألوف يُحمل على أمور معتادة، والغريب على مرحلة جديدة. والشارع الخالي قد يُحمل على وحدة أو هدوء، والمزدحم على نشاط وضغط. ويُنظر كذلك إلى إشارات المرور أو الأنوار، فالإشارة الخضراء توحي بالتيسير والحمراء بالتوقف المؤقت.
من الناحية النفسية والعملية، قد يظهر هذا الحلم عند من يشعرون بأنهم تحت أنظار الناس أو يمرون بمرحلة اجتماعية جديدة، وعند من يقضون وقتًا طويلًا في الطرقات. ويفيد أن يذكّر الرائي نفسه بأن أكثر الناس منشغلون بشؤونهم، وأن يهتم برضا نفسه قبل رضا الجميع. وقد يرتبط الحلم بإرهاق العين من الغبار وضوء الشمس. وليس هذا نصيحة طبية، فإن وُجد في اليقظة ألم أو ضعف في النظر أو غشاوة، فعلى الرائي أن يراجع طبيب العيون ولا يكتفي بتفسير الحلم.
ومما يعين على فهم هذه الرؤيا أن يعود الرائي إلى حاله عند الاستيقاظ، فإن بقي في نفسه ارتياح فذلك يرجح معاني الألفة. وإن بقي فيه توتر فقد يكون الحلم صدى لضغط اجتماعي يمر به. ويستحسن ألا يستعجل في ربط الرؤيا بشخص بعينه. وكثيرًا ما يتضح المعنى حين يعرف الرائي مصدر شعوره بالمراقبة أو الانتباه.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، وليس علمًا قاطعًا بما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا قرار مصيري. وحسن الظن بالله أصل في كل حال، ومن رأى ما أقلقه فليتذكر أن الصور الغريبة في المنام كثيرًا ما تكون من تداعي الأفكار. اللهم اجعل لكل من سعى في الأرض توفيقًا وسلامة وصحة وعافية، والله أعلم.
