من رأى في منامه عينًا في الماء، سواء رآها تحت السطح أو تنعكس عليه أو تسبح فيه، فهذه رؤيا تتصل بالمشاعر والصفاء والعمق. والأصل أن الرؤى رموز لا تُقرأ حرفيًا، وأن معناها يتغير بحسب حال الرائي وشعوره في المشهد. فالماء يظهر في الأحلام بصور كثيرة، منها الصافي الهادئ والعكر المضطرب، ولكل صورة دلالتها. ولذلك يحسن أن يبدأ التأمل بحال الماء قبل حال العين.
العين ترمز في عالم الرؤى إلى البصيرة وحسن النظر في الأمور، وإلى الانتباه والمشاعر الظاهرة والتواصل مع الآخرين. والماء يرمز في كثير من الأحيان إلى الحياة والصفاء والمشاعر والعمق، وقد يرمز إلى ما يتغير ويجري. فاجتماعهما قد يشير إلى نظر الرائي في مشاعره أو في أمر عميق، أو إلى وضوح يتحقق كلما صفا ماء الأحوال. وقد يدل كذلك على رغبة في الغوص في فهم أمر ما أو في تهدئة العواطف. وهذه قراءة عامة تحتمل الصواب والخطأ.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الماء أن الماء الصافي يدل في الغالب على خير وسعة وصفاء حال، وأن الماء العكر يدل على كدر أو تعب بحسب ما يصحبه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الماء الراكد والجاري تختلف دلالتهما، فالراكد يميل إلى الثبات والجاري إلى التبدل. أما العين في الماء تحديدًا فهي من الصور الأقل تناولًا بتفصيل مستقل في الكتب القديمة، ولذلك يغلب أن يُجمع فيها بين أصل الماء وأصل العين. وقد اختلف المفسرون في هذه الأمور، فلا يصح اعتماد قول واحد على أنه فاصل.
للسياق أثر كبير. فإذا كان الماء صافيًا هادئًا والعين واضحة فيه، فهو أقرب إلى معنى صفاء الرؤية وراحة النفس. وإذا كان الماء عكرًا والعين غير واضحة، فقد يشير إلى التباس في الأمر أو انشغال بمشاعر مضطربة. وإذا كان الماء جاريًا بسرعة فقد يرتبط بتسارع الأحداث، وإذا كان راكدًا فقد يرتبط بثبات أو جمود. وللمكان أثره، فالماء في بركة غير الماء في بحر أو نهر أو كأس، وكل منها يحمل بعدًا مختلفًا.
إذا رأت العزباء عينًا في الماء، فقد يشير ذلك إلى تأمل في مشاعرها أو إلى رغبة في صفاء الرأي قبل قرار مهم. وإن كان الماء صافيًا فهو أقرب إلى الاطمئنان، وإن كان عكرًا فقد يعبّر عن حيرة. والمتزوجة قد يعبّر الحلم عندها عن مشاعر تتعلق ببيتها وأسرتها وعن رغبة في صفاء العلاقات. وإن كانت حاملة فالأقرب أن يُحمل الحلم على العمق العاطفي المعروف في هذه المرحلة، مع التذكير بأن أي تغير حقيقي في النظر أو ألم في العين يستدعي مراجعة الطبيب. ويبقى ذلك اجتهادًا لا قطعًا.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد يرتبط الحلم عنده بتأمل في أمر عميق في عمله أو حياته، أو بمشاعر لا يظهرها. والطالب قد يرى هذا المشهد عند الغوص في موضوع دراسي معقد. وصاحب التجارة قد يعبّر الحلم عنده عن تدفق مال أو أحوال متغيرة بحسب حركة الماء. أما المريض فقد يتأثر الحلم بحالته وما يشعر به من ثقل، فلا يُحمّل أكثر مما يحتمل. ويظل الاعتبار الأول لواقع الرائي.
التفاصيل الدقيقة تضيف معنى. فهل كانت العين تطفو أم تغوص، وهل كانت مفتوحة أم مغمضة، وهل كان الماء باردًا أم دافئًا؟ الطفو يُحمل على ظهور أمر وبروزه، والغوص على الاتجاه إلى العمق والتأمل. والعين المفتوحة تدل على انتباه، والمغمضة على استراحة أو تجاهل مؤقت. والماء الدافئ يُحمل على حنان وراحة، والبارد على صفاء أو حدة. وكل هذه احتمالات تقريبية لا يُقطع بها.
من الناحية النفسية والعملية، قد يظهر هذا الحلم عند من يمرون بمشاعر متدفقة أو يحبون الماء والسباحة أو قضوا وقتًا قرب البحر والأنهار، فيصور العقل ما رآه. ويفيد أن يخصص الرائي وقتًا للهدوء والتأمل وأن يعبّر عما يشعر به. وقد يرتبط الحلم أحيانًا بجفاف أو إرهاق في العين. وكثيرًا ما تكون صور الماء في الأحلام متأثرة بآخر ما رآه النائم أو سمعه أو فكر فيه قبل أن ينام، فلا يُستبعد أن يكون المشهد انعكاسًا لذلك. وليس هذا نصيحة طبية، فإن وُجد في اليقظة ألم أو احمرار أو ضعف في النظر أو غشاوة، فعلى الرائي أن يراجع طبيب العيون ولا يكتفي بتفسير الحلم.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، وليس علمًا قاطعًا بما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا قرار مصيري. وحسن الظن بالله أصل في كل حال، ومن رأى ما يسرّه فليشكر الله وليستمر في حسن العمل. اللهم اجعل لكل من أثقله همّ صفاء في الحال وطمأنينة في القلب وصحة وعافية، والله أعلم.
