رؤية النظر في عيني الأب في المنام صورة دافئة تحمل في الغالب معاني القرب والاحترام والأمان، فالأب في وجدان كثيرين رمز للسند والمسؤولية. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فالنظر في عيني الأب في الحلم لا يعني خبرًا محددًا عنه ولا عن حاله، وإنما هو صورة قد تعبر عن شعور الرائي نحوه أو عن حاجته إلى السند والتوجيه. ولهذا ينبغي النظر إلى الحلم بهدوء وربطه بحال صاحبه وظروفه دون جزم أو تهويل.
العين في الرؤى ترمز عند أهل التعبير إلى البصيرة والانتباه وطريقة النظر إلى الأمور، وإلى المشاعر الظاهرة على الوجه وإلى التواصل بين الناس. والأب يرمز في الرؤى إلى السند والتوجيه والمكانة والقيادة داخل الأسرة، وقد يرمز أيضًا إلى كل من يؤدي دور الأب كالمعلم أو الكبير. فالنظر في عينيه قد يدل على رغبة في نيل رضاه وتقديره أو على شوق إلى توجيهه أو على حاجة إلى الاطمئنان والسند. وهذه كلها احتمالات تتبدل بتبدل التفاصيل.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن الأب في الرؤى يدل على الأصل والسند والمكانة، وأن العين تعبر عمن يعتز به الإنسان. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يظهر من حال الأب في الرؤيا يؤول بحسب هيئته وسياقه ولا يعمم. وأما النظر في عيني الأب بهذه الصورة فهي من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، ولذلك يغلب القياس والاجتهاد وتختلف الأنظار. فتؤخذ الأقوال على سبيل الاستئناس ولا يُبنى عليها قطع بأمر.
وللسياق أثر كبير في المعنى، فنظرة الأب الهادئة الراضية أقرب إلى الاطمئنان والسند، ونظرته الجادة أو المتأملة أقرب إلى شعور الرائي بالمسؤولية أو الحاجة إلى نصيحة. وهل كان الأب حاضرًا في اليقظة أم غائبًا بسفر أو غيره، وهل علاقة الرائي به قريبة أم فيها بعد، كل ذلك يغير المعنى. وإحساس الرائي أثناء الحلم هو أصدق مفتاح للتأويل. ولا يصح أن يُبنى على الحلم ادعاء عن مصير أحد.
وإذا كانت الرائية عزباء فقد يدل النظر في عيني الأب على حاجتها إلى سنده في قرار مهم كالدراسة أو العمل أو الارتباط، وقد يعبر عن رغبتها في نيل رضاه وفخره بها. وقد يدل على شوق إلى أيام الطفولة والأمان. فيحسن بها أن تتحدث إلى أبيها أو إلى كبير موثوق في الأسرة، وأن تستشيره في ما يهمها. ولا تقلق، فالحلم صورة ذهنية لا أكثر.
وللمتزوجة قد يرمز النظر في عيني الأب إلى الحاجة إلى سند الأسرة الأصلية وإلى شوق إلى بيت أهلها، أو إلى رغبتها في أن يرى فيها ما يرضيه. وقد يدل على نظرتها إلى زوجها كأب لأبنائها. والحامل قد ترى هذه الصورة لأنها تتأمل معنى الأبوة وهي تتهيأ لاستقبال مولودها، فيكون الحلم تعبيرًا عن مشاعرها نحو الأسرة. ومن الأحسن أن تطمئن وتتواصل مع أهلها.
وأما الرجل فقد يدل النظر في عيني الأب عنده على شعوره بالمسؤولية وبرغبته في أن يكون عند حسن ظن أبيه، أو على شوق إلى توجيهه ومشورته. وقد يعبر عن محاولة لفهم ما يدور بين الأجيال، أو عن مراجعة لعلاقته بوالده. وإن كان أبوه قد غاب عن الدنيا فإن الحلم يعبر عن اشتياق الرائي وذكراه لا عن خبر عن أحوال أحد. وكل هذا من باب الاحتمال.
ومن التفاصيل الدقيقة في الحلم: ملامح الأب في المنام وهيئته، وهدوء نظرته، وهل كان يبتسم أم يتأمل، وهل تكلم أم صمت، وهل كان المكان بيتًا مألوفًا أم غريبًا. فالنظرة الهادئة المبتسمة أقرب إلى القبول والرضا، والصامتة المتأملة أقرب إلى الحاجة إلى حوار. ووجود الدمع يضيف معنى التأثر والاشتياق. وتدوين هذه التفاصيل فور الاستيقاظ يعين على فهم أقرب.
ومن الزاوية النفسية والعملية، قد تظهر هذه الصورة حين يشتاق الإنسان إلى سند أو توجيه أو حين يراجع علاقته بأبيه. فيجمل به أن يبادر إلى بر والده والكلام معه بلطف إن كان حيًا، وأن يدعو له بالخير في كل حال، وأن يستشير أهل الخبرة. ومن الجيد أن يصلح ما يستطيع من علاقاته الأسرية. والحلم لا يغني عن الصلة الواقعية. وهو ليس نصيحة طبية، فمن أحس بتغير أو ضعف في نظره فعليه مراجعة طبيب العيون. ومن المفيد أن يتذكر الرائي أن مكانة الأب في النفس كبيرة، فتتكرر صورته في الأحلام بأشكال مختلفة تعبر عن الاشتياق والاحترام أكثر مما تعبر عن حدث معين.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، وليس جزمًا بما سيقع. وعلى الرائي أن يحسن ظنه بالله، وأن يدعوه أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يحفظ أهله بالخير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فليبق القلب مطمئنًا والسعي في الواقع قائمًا.
