تتنوع دلالات رؤية العين في المنام بتنوع حال الرائي وتفاصيل المشهد، وعند كبير السن تميل القراءة إلى ما يتصل بخبرته الطويلة ونظرته إلى ما مضى وإلى أهله وأحفاده. ومن المفيد التذكير بأن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تُؤخذ خبرًا عن أمر قادم. وما يُذكر في هذا المقام اجتهاد في الفهم قد يصيب وقد يخطئ. وينبغي للرائي أن يتعامل مع المنام بهدوء، وأن يعده مادة للتأمل لا موضعًا للقلق. وكلما اتسع صدره للاحتمالات المتعددة كان فهمه أقرب إلى الاتزان.
العين في أصل الرمز أداة النظر ومنفذ الإدراك، ولذلك ارتبطت بالبصيرة وحسن التقدير. وتدل على الانتباه إلى ما يمر بالإنسان من أحوال، وعلى سعة النظر التي تأتي مع طول التجربة. وتعبر كذلك عن المشاعر الظاهرة، فالنظرة تكشف الحنين والرضا والتأمل. وللعين صلة بالتواصل بين الأجيال، فبها يتعرف الكبير إلى الصغير ويشعر بقربه. وليست هذه المعاني كلها حاضرة في كل رؤيا، بل يظهر منها ما يوافق السياق.
نُسب إلى ابن سيرين أن العين في المنام قد تشير إلى القريب العزيز وإلى ما يعين المرء في أمره، وأن صفاءها وسلامتها يدلان في الغالب على خير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن العين ترمز إلى نفاسة ما يملكه الإنسان وإلى بصره بأموره. وقد اختلف الشراح في التفاصيل، فلم يتفقوا على معنى واحد لكل الأحوال. والصور الأقل شيوعًا، كالعين المنفردة أو غير المألوفة، أقل تناولًا في الكتب القديمة. ولذلك يبقى القول فيها اجتهادًا يحتاج إلى حذر.
للسياق أثر كبير في الدلالة، فالعين الواضحة في مكان مضيء غير العين الغائمة في مكان مبهم. وشعور الرائي في أثناء الحلم قرينة مهمة، فالارتياح يخفف القراءة والتوتر يدعو إلى مزيد من التؤدة. ولحضور الأشخاص أثره، فوجود ابن أو حفيد أو صديق قديم قد يوجه المعنى نحو الأنس والمودة. وللمكان دلالته، فالعين في الدار القديمة أو المجلس المألوف تختلف عن العين في مكان غريب. وجمع هذه القرائن أولى من التعلق بتفصيل واحد.
قد ترمز العين عند كبير السن إلى بصيرته المكتسبة من التجارب وإلى رغبته في أن يرى أحوال أهله مطمئنة. فإن كانت العين صافية مشرقة فقد يُحمل ذلك على رضا وسكينة وارتياح في أمر يشغله. وإن كانت متعبة أو ضبابية فقد يدل ذلك على إرهاق وحاجة إلى راحة وعناية. ولا يعني هذا نقصًا في قدره، فالسنون تضيف إلى المرء وقارًا وخبرة. والصورة الكلية أولى بالاعتبار من لقطة عابرة.
وإذا رأى كبير السن عين أحد أبنائه أو أحفاده، فقد يشير ذلك إلى اهتمامه بهم وإلى شوقه إلى قربهم وسماع كلامهم. والنظرة الحانية قد تعبر عن مودة وطمأنينة، والنظرة الشاردة قد تعبر عن انشغال يحتاج إلى زيارة وكلمة طيبة. ولا يحسن أن يُحمل المشهد على اتهام أحد بالتقصير أو الجفاء. وقد تدل العين الواسعة المضيئة على سعة الصدر، والصغيرة الخافتة على الحاجة إلى الهدوء والتؤدة. وكل ذلك احتمال يبقى مفتوحًا.
التفاصيل الدقيقة تضيف معنى، فلون العين المألوف يميل بالتفسير إلى الأمر المعتاد، واللون الغريب يميل به إلى احتمالات أقل تناولًا. واتجاه النظرة يغير الصورة، فالموجهة إلى الرائي قد توحي بالاهتمام، والمنصرفة قد توحي بانشغال عنه. وظهور العين في مشهد هادئ قد يدل على حاجة النفس إلى السكينة. وكثرة الضوء حولها تميل إلى الوضوح، وقلته تميل إلى التمهل. وهذه كلها قراءات احتمالية.
ومن الناحية النفسية فإن تقدم العمر قد يغير النوم، وتكثر معه الأحلام التي تستعيد صورًا من الماضي وأماكن ووجوهًا مألوفة. وقد تظهر العين فيها لأن الذهن يتأمل في رحلة العمر ويتفقد أحوال من يحب. وفي هذه الحال لا تحمل الرؤيا خبرًا بقدر ما تعكس تأملًا طبيعيًا. ويخفف ذلك أن يقضي الرائي وقتًا مع أهله وأن يحافظ على نشاط معتدل وعلى مواعيد نوم منتظمة. ويفيده أن يتحدث بما يشغله إلى من يثق به.
عمليًا يمكن للرائي أو لمن يعتني به أن يدوّن ما رأى، ثم يراجع بعد أيام هل بقي أثره في نفسه. والحلم ليس نصيحة طبية، فإذا كان هناك ألم أو احمرار أو غشاوة أو ضعف حقيقي في النظر فعليه مراجعة طبيب العيون، فالفحص الدوري مهم في هذا العمر. ولا يصح أن يُترك دواء أو يُغير علاج أو يُتخذ قرار لمجرد منام، بل يُرجع فيه إلى الطبيب وأهل المشورة. وتفيده راحة العين وإضاءة جيدة في البيت أكثر مما يفيده التعمق في التأويل. وتبقى الرؤيا مناسبة للتأمل الهادئ.
وفي الختام، يبقى ما ذُكر اجتهادًا بشريًا ظنيًا قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن معرفة الرائي بحاله. وعليه أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله أن يمتعه بالعافية وأن يجعل كل رؤيا خيرًا. وإن كانت الرؤيا مبشرة فالحمد لله، وإن كانت غير واضحة فلا ينبغي أن يقلق منها. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والعاقل يجمع بين الأخذ بالأسباب وحسن التوكل. والله أعلم.
