قد يرى الإنسان في منامه أنه يصعد إلى مكان عال أو ينظر من نافذة مرتفعة، فيشعر برهبة شديدة وخوف من الارتفاع. وهذه الصورة مألوفة عند كثيرين، وقد يستيقظ منها الإنسان وهو يتنفس بسرعة. والرؤيا في أصلها رمز يتأثر بالمشاغل اليومية، وليست خبرًا جازمًا بشيء. فالأولى أن يقرأها الرائي بهدوء وألا يبني عليها خوفًا. وما يذكر هنا محاولة للفهم وليس قولًا قاطعًا.
الخوف من المرتفعات في الرؤيا يرتبط في القراءة النفسية بالقلق من الخطوات الكبيرة وبالرهبة من الصعود إلى مسؤوليات أو أهداف أعلى. وهو يشبه ما يشعر به الإنسان حين يقترب من أمر مهم يرى فيه مقامًا أرفع من حاله المعتاد. وقد يعبر أيضًا عن حاجة إلى الأمان والثبات قبل أي صعود جديد. وهو في الغالب صورة لما يدور في الذهن من ترقب، لا خبر عن شيء. ويبقى المعنى مرتبطًا بحال الرائي، فلا يصح الجزم به.
نسب إلى ابن سيرين في بعض ما روي عنه أن الأماكن العالية في الرؤيا ترتبط بالطموح وما يطلبه الإنسان من مراتب بحسب حاله. وذهب النابلسي في بعض ما نقل عنه إلى أن ما يتعلق بالارتفاع يختلف بحسب ما يصحبه من خوف أو طمأنينة. ويرى بعض المعاصرين أن الخوف من المرتفعات في الأحلام يعبر عن رهبة من التغيير الكبير. وتتباين هذه الآراء في تفاصيلها، ولا يوجد رأي يصح تعميمه على كل رائي.
للسياق أثر مهم في الفهم، فقد يكون المكان العالي جبلًا أو برجًا أو سطحًا أو جسرًا، وقد يكون الرائي وحده أو مع آخرين. ومن المفيد أن يتأمل الرائي شعوره، أكان رهبة شديدة أم حذرًا خفيفًا أم دهشة من المنظر. وكذلك هل تراجع عن الحافة أم بقي ينظر. وكلما كان الإحساس أقرب إلى الحذر الخفيف كانت القراءة أقرب إلى معنى التروي. ومن الطبيعي أن يتأثر الحلم بما شاهده الإنسان من مناظر مرتفعة في يومه.
بالنسبة لغير المتزوج قد تعبر الرؤيا عن مرحلة يتطلع فيها إلى خطوة كبيرة، كدراسة أعلى أو عمل أرفع أو استقلال جديد. والخوف من الارتفاع قد يعكس رهبة طبيعية من الجديد. وربما كان في الصورة دعوة لطيفة إلى الصعود التدريجي. ويحسن أن يقسم هدفه الكبير إلى درجات صغيرة وأن يستشير أهل الخبرة. فالسلم يصعد درجة درجة، والخطى الهادئة أبقى أثرًا.
أما المتزوج أو المتزوجة فقد تتصل الرؤيا بمسؤوليات أكبر تنتظره في الأسرة أو العمل. والخوف من المرتفعات قد يعبر عن رهبة من تحمل ما هو أثقل. ولا بأس أن يتكلم الزوجان بلطف عن توزيع المسؤوليات وعن مخاوفهما. فالمشاركة تخفف الحمل وتزيد الاطمئنان. وقد يكفي أن يتذكرا أن الخطوات الصغيرة المتعاونة تصل بالأسرة إلى بر الأمان.
وللطالب والموظف وصاحب العمل صلة بهذا المنام، فكثيرًا ما تظهر صورة الارتفاع عند من يترقى في دراسة أو عمل أو يتولى مهمة أكبر. وقد تعبر عن رهبة من أن لا يكون على قدر المسؤولية. ومن المفيد أن يتدرب على المهام الجديدة بالتدريج وأن يطلب التوجيه ممن سبقه. وكذلك أن يذكر نفسه بما أنجزه قبل ذلك. فالتدرج الهادئ يبني الثقة ويخفف الرهبة.
وفي التفاصيل ما يستحق التأمل، كارتفاع المكان وصفاء المنظر ووجود سور أو درابزين وهل كان الرائي ثابتًا أم مترددًا. فإذا وجد ما يحميه فقد توحي الصورة بوجود دعم، وإذا كان المكان مكشوفًا فقد توحي بحاجة إلى مزيد من الطمأنينة. وإذا اعتاد الرائي المنظر مع الوقت فقد يعبر ذلك عن تأقلم تدريجي. وقد يكون الأبقى في الذاكرة هو الإحساس العام الذي صاحب المشهد. ولا ينبغي تحميل التفاصيل أكثر مما تحتمل، فهي إضاءات تساعد على التفكير فقط.
من الناحية العملية، يفيد الإنسان أن يتعامل مع ما يقلقه بخطوات صغيرة، وأن يتحدث مع شخص موثوق عن مخاوفه، وأن يمنح نفسه وقتًا للراحة. وتساعد تمارين التنفس البطيء والمشي الخفيف وتنظيم النوم في تهدئة الذهن. وهذا المنام ليس نصيحة طبية أو نفسية. وإذا كان الخوف الشديد من المرتفعات حاضرًا في اليقظة حتى يمنع صاحبه من أعمال عادية كصعود درج أو الوقوف قرب نافذة، فمن الحسن استشارة مختص نفسي موثوق. فهذه المخاوف شائعة وقابلة للتحسن بالتدرج والمساعدة المختصة.
هذه القراءة اجتهاد بشري ظني، قد تصيب وقد تخطئ، ولا تبلغ درجة اليقين. وحسن الظن بالله يملأ القلب سكينة، والدعاء بالطمأنينة وتيسير الأمور خير ما يقابل به الإنسان قلقه. وما يحمله الغد لا يعلمه أحد، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليمض الرائي إلى يومه مرتاح البال، وليترك هذه الصورة العابرة خلفه بسلام. وعسى أن يجد في المنام تذكيرًا لطيفًا بقيمة التدرج.
