الشرفة مكان يطل منه الإنسان على الشارع والجيران والأفق، وهي حد فاصل بين الداخل والخارج. ولهذا فإن رؤية السقوط منها تحمل معنى خاصًا يتعلق بعلاقة صاحبها بما حوله. ويجب التذكير بأن الرؤيا رمزية، وتفسيرها يختلف من شخص إلى آخر. وسيمر هذا المقال على ما قيل في هذا المشهد بهدوء ومن غير جزم. فمن قرأ بقلب مطمئن خرج بفهم أوضح.
قد ترمز الشرفة إلى الانفتاح على الآخرين وإلى رغبة المرء في أن يُطل على حياة جديدة أو يطلع على ما ينتظره. فإذا سقط منها الرائي فقد يعبر ذلك عن قلق من الاندفاع نحو أمر قبل اكتمال الاستعداد. وقد يشير إلى حساسية تجاه نظرة الآخرين وخوف من فقدان الاتزان أمامهم. وقد يكون صورة لحاجة داخلية إلى الحذر والتمهل قبل خطوة جديدة. ولا يُجزم بشيء من ذلك، فالمعاني كلها احتمالات.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الأماكن المطلة تُفسَّر عند بعض أهل التعبير بالاطلاع على أمور الدنيا وحال الأهل، وأن النظر في الرؤيا يكون بحسب الرائي. وبناء على ذلك قد يُفهم السقوط من الشرفة على أنه تبدل في طريقة نظر المرء إلى ما حوله. ولا يوجد نص ثابت يقطع بهذه التفصيلة، ولذلك يقل الجزم بها. والأولى أن تُقرأ هذه الأقوال على أنها إشارات عامة لا أخبار عن وقائع. وهذا الفهم أقرب إلى السكينة.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الرؤيا تُحمل على حال صاحبها ومكانه وزمانه، فقد تدل الصورة الواحدة على غير معنى عند غير شخص. ولذلك تتنوع الأقوال في مثل هذا المشهد، فمنهم من يراه إشارة إلى تغير في العلاقات أو الظروف، ومنهم من يراه صدى لانشغال البال. ويذهب بعضهم إلى أنه من آثار الإرهاق وكثرة التفكير ليلًا. وفي هذا الخلاف دعوة إلى التريث وعدم التعلق بقول واحد. وبذلك يبقى القلب مرتاحًا.
لسياق المشهد أثر في المعنى: هل كان الرائي متكئًا على حافة الشرفة، أم يسقي نباتًا، أم يتحدث مع جار، وهل الشرفة في بيته أم في مكان آخر. فمن رأى أنه تمسك بالحاجز قبل أن يسقط فقد يُقرأ ذلك على أنه شعور بالقدرة على استدراك الأمور. ومن سقط ثم نهض فقد يكون المعنى عبورًا لمرحلة مقلقة بسلام. ومن استيقظ قبل الوصول فقد يكون القلق متصلًا بشيء لم يحسم بعد. وأدق ما يُرجع إليه هو شعوره في المشهد.
للمرأة العزباء قد يرتبط المشهد بتفكيرها فيما ينتظرها من خطوات، وبحرصها على ألا تتعجل في اختيار مهم. وللمتزوجة قد يعكس حرصها على علاقات الأسرة والجيران وما يتطلبه ذلك من توازن. وللحامل قد يكون صدى لحساسية المرحلة وقلة الراحة، فتحتاج إلى مزيد من الاطمئنان والتهدئة. ولا يُحمل المشهد على غير هذا المعنى النفسي القريب. والرفق بالنفس في ذلك أولى من التفتيش عن تفسير.
وللرجل قد يرتبط المشهد بحرصه على مظهره أمام الآخرين وما يُنتظر منه في عمله وبيته. وللطالب قد يتصل بتوتر المقارنة والاستعداد. وللتاجر قد يشير إلى كثرة ما ينظر فيه من أمور السوق. ولمن تقدمت به السنون قد يعبر عن حنين إلى الهدوء بعد طول انشغال. وهذه كلها احتمالات لا تدل على أمر مقدر.
وللتفاصيل معنى مساعد، كارتفاع الشرفة، ونوع الحاجز، وهل في الأسفل شارع مزدحم أم حديقة هادئة، وهل كان الوقت ليلًا أم نهارًا. فالحديقة الهادئة قد تدل على أن الخوف أكبر من الواقع، والشارع المزدحم قد يعكس ضغط الحياة اليومية. ووجود حاجز متين قد يُقرأ على أنه إحساس بالحماية. أما الشرفة الضيقة فقد تعبر عن شعور بالحصار الخفيف. وتسجيل ما بقي في الذاكرة بعد الاستيقاظ يخفف الحيرة.
من الناحية النفسية تتكرر هذه المشاهد عادة مع التعب والتفكير الكثير قبل النوم. ويساعد على تهدئة القلق ترتيب موعد ثابت للنوم، وتقليل الشاشات في المساء، وشيء من المشي الهادئ، وتنفس بطيء قبل الاستلقاء. وهذه إرشادات عامة وليست نصيحة طبية أو نفسية متخصصة. وإذا استمر الدوار أو الخوف الشديد من المرتفعات أو اضطراب النوم فمراجعة طبيب أو مختص هي الأنسب. فالعناية بالنفس جزء من الاتزان.
وهذه القراءات اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليها قلق ولا قرار. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرؤيا صورة قابلة لأكثر من تفسير. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بربه ويأخذ بالأسباب ويهدأ باله. ويحسن الدعاء بقول: اللهم اجعل لصاحب هذه الرؤيا سكينة وأمانًا وخيرًا في أمره كله.
