الجسر يصل بين ضفتين ويمكّن العابر من الانتقال من جهة إلى أخرى، فهو من الرموز التي تتصل بالتحول والعبور. وحين يرى النائم أنه يسقط من جسر فإن المشهد يحمل معنى خاصًا يتعلق بالانتقال بين مرحلتين. وينبغي التذكير بأن الرؤيا رمزية، وأن تفسيرها اجتهاد يختلف باختلاف حال الرائي. وسيعرض هذا المقال ما قيل في المشهد بهدوء وبيان لتعدد الآراء. وليس فيه جزم بشيء، وإنما قراءات تُعرض للتأمل.
يرمز الجسر في الأحلام غالبًا إلى مرحلة انتقالية، كتغيير عمل أو سكن أو دراسة أو علاقة، وإلى الوصل بين ما كان وما سيكون. ولذلك قد يعبر السقوط منه عن قلق من الانتقال نفسه أو خوف من ألا تكتمل الخطوة على ما يرام. وقد يشير إلى إحساس بأن الطريق بين مرحلتين غير ممهد كفاية. وربما كان صورة لحاجة داخلية إلى الأمان أثناء التغيير. ولا يُجزم بشيء من ذلك، فهي كلها احتمالات.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الجسر يُفسَّر عند بعض المعبرين بالسبب الموصل أو بالرجل الذي يُعبر به إلى غاية، وأن العبرة بحال الرائي. وعلى هذا يمكن أن يُقرأ السقوط منه على أنه تبدل في الوسائل التي يعتمد عليها الإنسان للوصول إلى هدفه. ولا يثبت نص قاطع في هذه التفصيلة، فلذلك يتحفظ كثيرون. والأولى أن تُفهم هذه الأقوال على أنها إشارات عامة لا أخبار عن وقائع. وهذا الفهم أدعى إلى السكينة.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الرؤيا تتبع حال الرائي ومكانه وزمانه، وأن الصورة الواحدة تختلف دلالتها بحسب صاحبها. ولذلك تتعدد الأقوال، فمنهم من يرى في المشهد إشارة إلى انتقال قريب في الأحوال، ومنهم من يراه صدى لانشغال البال بأمر معلق. ويرى آخرون أنه من آثار الإرهاق وكثرة التفكير ليلًا. وهذا الاختلاف نفسه يدعو إلى التريث وعدم الاستعجال. وبذلك يبقى القلب مطمئنًا.
يتغير الفهم بحسب سياق المشهد: هل كان الجسر قديمًا أم جديدًا، وهل كان فوق ماء أم وادٍ أم طريق، وهل كان الرائي في أوله أم في وسطه. فمن كان في أول الجسر قد يعبر ذلك عن تردد قبل الدخول في مرحلة جديدة، ومن كان في وسطه قد يعبر عن أوقات انتقال صعبة. وإذا نهض بعد السقوط فقد يُقرأ ذلك على أنه عبور لمرحلة مقلقة بسلام. وإذا استيقظ قبل أن يبلغ الأسفل فقد يكون القلق متصلًا بأمر لم يُحسم بعد. ولا شيء أصدق من الشعور الذي بقي في النفس.
للمرأة العزباء قد يتصل المشهد بتفكيرها في الانتقال إلى مرحلة جديدة كدراسة أو عمل أو بيت، وبرغبتها في أن تعبر بثبات. وللمتزوجة قد يعكس مرحلة تغيير في الأسرة وما تتطلبه من تأقلم وجهد. وللحامل قد يكون صدى لما تمر به من انتقال في حياتها وجسدها، فيحسن أن تمنح نفسها الراحة والطمأنينة. وليس في ذلك ما يدل على شيء مرتقب. والرفق بالنفس أنفع ما يُقدَّم هنا.
وللرجل قد يرتبط المشهد بتغيير في العمل أو انتقال إلى بلد أو مدينة، وما يصحب ذلك من حسابات وترتيبات. وللطالب قد يكون انعكاسًا للانتقال من مرحلة دراسية إلى أخرى وما فيه من ترقب. ولصاحب التجارة قد يتصل بتوسيع نشاط أو تغيير شراكة وما يحمله من تفكير. ولمن تقدمت به السنون قد يعبر عن شوق إلى الاستقرار بعد كثرة التنقل. وتلك كلها احتمالات لا تدل على أمر محتوم.
وللتفاصيل أثر في المعنى، كارتفاع الجسر، وهل له حواجز، وهل الماء تحته هادئ أم مضطرب، وهل كانت السيارات تمر أم كان خاليًا. فالجسر الخالي الهادئ قد يدل على تفكير منفرد في قرار، والمزدحم قد يعكس ضغط الأيام. ووجود حواجز قوية قد يُقرأ على أنه إحساس بالحماية. والماء الهادئ تحته قد يدل على أن الخوف أكبر من الواقع. ويفيد تسجيل هذه التفاصيل بعد الاستيقاظ لتُقرأ بروية.
من الناحية النفسية يتكرر هذا المشهد في فترات التغيير والانتقال وكثرة المسؤوليات. ويساعد على تهدئة القلق وضع خطة واضحة للانتقال، وتنظيم النوم، وتخفيف الضغط بالمشي والتنفس البطيء، والتحدث إلى شخص قريب. وهذه إرشادات عامة وليست نصيحة طبية أو نفسية متخصصة. فإذا استمر الدوار أو الخوف الشديد من المرتفعات أو اضطراب النوم فمراجعة طبيب أو مختص أولى. والعناية بالنفس تجعل العبور أسهل.
وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليه قلق ولا قرار حاسم. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا صورة رمزية تحتمل أكثر من قراءة. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بربه ويأخذ بالأسباب ويهدأ قلبه. ويحسن الدعاء بقول: اللهم اجعل لصاحب هذه الرؤيا طمأنينة وأمانًا وتيسيرًا في كل انتقال.
